قرارات تضر ببيئة الأعمال

 

مدرين المكتومية

على الرغم من الجهود المبذولة لتسهيل بيئة الأعمال في وطننا الحبيب، إلّا أن بعض الجهات تتخذ إجراءات وتصدر قرارات تنعكس سلبًا على هذه البيئة، وهي للأسف يبدو أنها قرارات غير مدروسة العواقب ولا التداعيات؛ بل إنها تُضيف المزيد من الأعباء على أصحاب الأعمال، ولا سيما أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وأنا هنا لا أدافع فقط عن فئة مهمة ومؤثرة في نمو اقتصادنا الوطني، وإنما أسعى كذلك لأن تكون هناك ضوابط حقيقية وقيود لسلطة الجهات المختصة؛ سواء وزارة أو هيئة أو مؤسسة ما، سلطة قانونية تمنع سياسية اليد المُطلقة التي بإمكانها فعل ما تشاء في أي وقت تشاء.

آخر هذه القرارات، ما صدر عن وزارة العمل دون إعلان رسمي، بفرض حظر على السجلات التجارية المملوكة لرجل أعمال واحد، في حالة وجود مخالفة أو إجراء ما ترى الوزارة أنه يسمح لها فرض الحظر. وقد تواصلتُ مع قانونيين وخبراء في التشريع وأجمعوا على أن مثل هذه القرارات لا تتفق وصحيح القانون، فالقاعدة القانونية تؤكد أن كل مؤسسة لها كيان مالي وإداري منفصل ومستقل تمامًا عن الأخرى، حتى لو كان المالك نفس الشخص، كما إنه- وفقًا للقواعد القانونية- لا يُعاقب أحد بجريرة آخر، فلا يُمكن أن تُعاقب مؤسسة ما بالحظر من خدمات الوزارة بسبب أن مؤسسة أخرى، تصادف أنها مملوكة لنفس رجل الأعمال، يوجد عليها ملاحظات!

هذه القضية تفتح الباب واسعًا أمام السلطات الممنوحة للوزارات والجهات الحكومية، وهل هي سُلطات مُقيَّدة بنصوص القوانين والنظام الأساسي للدولة، أم أنها مُطلقة؟! وحقيقةً أنا هنا أطالب بفتوى تشريعية من وزارة العدل والشؤون القانونية، لتحديد مدى مشروعية مثل هذه القرارات، التي تُناقض الأعراف القانونية الراسخة، والقواعد الدستورية الحاكمة التي ترتكز على النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 6/ 2021.

لقد رصدنا من منطلق دورنا الإعلامي، العديد من شكاوى أصحاب الأعمال، من هذا القرار، لأنه تسبب في خسائر فعلية للكثير من الشركات؛ حيث تعطّلت الأعمال، وسط استهجان لافت لدى مجتمع الأعمال في السلطنة، حتى وصل الأمر إلى تفعيل "هاشتاج" عبر منصة "إكس" (تويتر سابقًا)، وشاركت أعداد كبيرة من المستخدمين آراءهم التي عبروا فيها استيائهم من هذا القرار غير العادل والذي يشوبه العوار القانوني- حسب رأيهم- وناشدوا وزارة العمل ومجلس الوزراء بضرورة التراجع عن هكذا قرار، لما تسبب فيه من أضرار سلبية على بيئة الأعمال، في وقت تسعى في السلطنة إلى جذب الاستثمارات وتحسين مناخ ممارسة الأعمال.

يكفي القول إن سلطنة عُمان حققت تقدمًا في مؤشر سهولة ممارسة أنشطة الأعمال؛ إذ تقدمت عشر مراتب لتصبح في المرتبة الـ68 عالميًّا، بفضل حزمة الإصلاحات الإدارية والاقتصادية التي اتخذتها، لكن الحقيقة أن هذه المكانة المتقدمة قد نفقدها أو نتراجع مركزًا أو مركزين، بسبب قرارات غير مدروسة تصدر عن جهات حكومية، كان من الواجب عليها أن تتكاتف جهودها مع الجهود الوطنية الساعية لتبسيط الإجراءات وتسهيل ممارسة الأعمال التجارية والاقتصادية والاستثمارات.

وربما يغفل البعض عن أن الشركات التي تتعرض لعراقيل بسبب مثل هذه القرارات، توفر آلاف الوظائف للمواطنين، وتخدم الاقتصادي الوطني، وتساهم في الناتج المحلي الإجمالي، وقد بلغت مساهمة المؤسسات الخاصة النشطة في الناتج المحلي الإجمالي لسلطنة عُمان نحو 11.06 مليار ريال عُماني بنهاية الربع الرابع من عام 2025، وسجلت المؤسسات المتوسطة والصغيرة والصغرى مساهمة بنسبة 21.4% من إجمالي الناتج المحلي. فهل بعد هذه الأرقام تشكيك في مدى إسهام هذه المؤسسات في النمو الاقتصادي؟!

الحقائق القانونية تؤكد أن كل سجل تجاري يمثل كيانًا قانونيًا مستقلًا، وله شخصيته الاعتبارية، والتي بناءً عليها تترتب حقوق والتزامات حصرية فقط على هذا السجل دون سواه، ولا يُمكن بأي حالٍ من الأحوال الإضرار بسجل تجاري نتيجة مخالفة لم يرتكبها! والأهم من ذلك أن النظام الأساسي للدولة والقوانين السارية تضمن استقلالية الذمة المالية لكل شركة، فإذا ما أفلست شركة- على السبيل المثال- لا يُمكن معاقبة شركة أخرى بحجة أن مالكها هو نفس الشخص، هذا عوار قانوني لا مثيل له.

والأشد غرابة أن قرار وزارة العمل بتنفيذ الحظر يسري بناءً على الرقم المدني لرجل الأعمال، ففي حالة أن هذا المستثمر شريك في شركات أخرى سوف تتضرر هذه الشركات لأنه ربما يواجه تحديات أو عليه مخالفة في سجل تجاري واحد مملوك له. وهنا المفارقة العجيبة التي تثير الدهشة والاستغراب، وتستدعي على الفور من جهات الاختصاص القانونية أن تتدخل وتعالج الأمر، وحديثي هنا موجه إلى القضاء الإداري بالمجلس الأعلى للقضاء.

إنَّ الحديث عن تحديات القطاع الخاص لا ينتهي، وعندما ننتقد قرارًا ما صدر من جهة ما، لا يعني أننا ضد تنظيم سوق العمل واتخاذ كل ما يلزم من قرارات لضمان حصول أبناء الوطن على الوظائف التي يستحقونها، لكن في الوقت نفسه يجب أن يكون أي إجراء تنظيمي يتفق مع الواقع والتحديات التي يعاني منها هذا القطاع، وهو ما يستلزم اتخاذ خطوات فاعلة نحو تمكين القطاع وتحفيزه على الإسهام في نمو الاقتصاد وتوفير الوظائف، لا عرقلته وفرض القيود عليه ومضاعفة التحديات.

الأكثر قراءة

z