حسّ الجماد 13

 

من عنفوان ضربة عليّ.. إلى لُطف سلامة وبناتها

حمد الناصري
يتحرّر الوعي البشري من أسر المنظومة الرتيبة التي تُعيد إنتاج نمطيتها لحظة إدراكه أنّ جغرافيا الأرض ليست مجرد تضاريس فيزيائية جافة، بل هي حقل وجداني مُمتد يتنفس بحسّ دفين يتناغم مع وعي الإنسان المُستخلف. وإنّ سَبْر ناموس الساحل العُماني الممتد، يربو على ثلاثةِ آلاف ومئة وخمسةٍ وستين كيلومتراً، يُبرهن للباحث الأريب أنّ حدود السيادة في أُفُق الجُغرافيا ليست خطوطاً هندسية مُصْمَتة، بل هي تجلّيات أنطولوجية تتلاقى فيها الأقدار، لتصنع مرافعة وجودية حاسمة تذود عن فطرة الإنسان ونفخته الروحية المودعة بالأسرار الإلهية المُعجزة.

وتبدأ هذه الملحمة الحِسية الحية من النقطة الحدودية الأولى في الجنوب، حيث يتشابك بحر العرب المُحاذي لولاية ضلكوت مع منطقة "حَوْف" اليمنية، وتحديداً عند ذلك اللسان الصخري الشاهق البارز في مياه بحر العرب والـمُسمى "رأس ضربة عليّ"؛ فهذا الجماد الجبلي الصّلب المُهيب، لم يكن نتوءاً فيزيائياً محايداً، بل استوعب تاريخاً معيشاً. وتسمية "رأس ضربة عليّ" وفقاً للموروث الفطري لأبناء المهرة وظفار، تعني الشق أو القطع الحاد في الجبل والبارز في مياه البحر. فكلمة "ضربة" في المعاجم العربية القديمة وفي لغة أهل السواحل لا تعني الصفعة البدنية، بل تعني القطْع، أو المَمر الضيق النافذ؛ مثل ضَرْب الخندق في الأرض أو مَخْر السفينة للماء؛ وهو عين المعنى المتداول في لغة أهل الساحل في ظفار واليمن، وبالأخص ولاية ضلكوت والمهرة اليمنية بـ "الجبل المَشقوق". ويبدو هذا الرأس للبحّار من عرض البحر كأنه جبل قُطع بفأس حاسم ليفصل جغرافياً بين سواحل ظفار العُمانية وسواحل المهرة اليمنية.

ويرتبط اسم "عليّ" في المأثور الشفهي المُمتد على طول الساحل بقصص بطولية قديمة؛ يُروى فيها مجازاً عن ضربة سيف الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في ترويض الشدائد. والرواية الشعبية تقول إنّ طُود هذا الجبل وصَلف اندفاعه في البحر كانا يُعطلان المراكب، فجاءت "ضربة عليّ" لتقطع هذا الصَلف الصخري وتجعل من هذا الرأس علامة مشهودة ومرساة حانية تهتدي بها سُفن البحارة الأقدمين. وبذلك تحوّلَت هذه الصخرة الصَلبة من رمز أسطوري لترويض الشدائد إلى نقطة ارتكاز سيادية أولى وبداية انطلاق لخط الحدود المُستقيم في اتفاقية الحدود الدولية عام 1992م.

وتلك الصخرة الحادة المَشقوقة والجبل الأصم يَقفانِ بصلابة وقوة ومَهابة، وبرهنَ الطود العظيم، أنّ صخرته الصّلدة تنقاد بالهُوينا لدفء الحِس الأصيل، والجِذر العميق كعُمق الأرض والتكوين، فانشقّ طوعاً لصِناعة السلام والألفة بين بَلدان هُما أصْل واحِد في الواقع المَعيش والألفة والحِكمة والصناعة الفكرية على مدى سنين خلتْ وأزمان سِيقتْ لِزاماً لنكون جنباً إلى جنب وإنْ بُدّلت خطوط العرض والطول فالأصل يبقى ملاذاً لأصله. ولم تقف الصخور والجبال عازلاً، بل وقفتْ طوعاً كـ "وتد جيو-سياسي" ثابت تنطلق منه سِيادة عُمان البحرية شرقاً وشمالاً، وسِيادة اليمن غرباً؛ وتلك هي الثوابت التكوينية الأدق بحِسّ واقعيتها المعيشية، فقد تحوّلت صخرة عاتية صمّاء عالية صَلدة إِلَى صَخرة أُلْفة ووئام وتآلف ليكون الجبل المَشقوق حارسًا لسيادة البلدين بسلام وأمان.

وأما حِسّية الجماد فمؤنسة، فالأشياء من حول الإنسان تُشعره بالأمان وتستجيب إلى حِسّيته وتحفظ أسرارهُ، فهيبتها مكسب حيّ بلا جلجلة مُخيفة بل مَهابة تفوح بها حِسيًا وتتناغم بأنسٍ خفيّ؛ ولذلك، فإنّ طُود الجبل الحاد في طريق فِنس بقريات مثلاً ــــ كشاهد استدلالي عن حِس المكان وواقعيته ــــ كانت تفوح منه رائحة مَهابة وجدانية صامتة؛ وفي لحظة الغروب ومُداهمة الظِلال، تخرج من صُخور الجبال وجُيوبها العميقة رائحة جافة وشُحنات تملأ الكينونة البشرية بالرهبة والمأزق الوجودي، كأنها "عِطر الخوف المَحض" يستنشقهُ الإنسان طوعًا بحسية خفية؛ وهنا نطرح تساؤلاً: مَن ذا الذي يُجابه الجبل بصرامة تضاريسه وهو يتبدّى شاهقاً ومُستعصياً؟ بدءاً مِن ولاية صُور العفيّة؛ صُور المدينة التاريخية البحرية وعراقتها الضاربة في التكوين التي تجمع بين الوجود الجغرافي وبُعد ما وراء الطبيعة، والتي تمخر سُفنها عُباب تجليات الوجود البحري المفتوح، من رأس البحر الشرقي لِعُمان ــــ رَأس الحد ــــ إلى حدود صرفيت في الجنوب الغربي لبحر العرب.

وعبر تدفق سلسلة الجبال الصمّاء، كحبل سري، يَسير الناموس الكوني بقوة خفية وانسيابية نحو أقصى شمال مسندم، حيث يرقد "رأس فكّ الأسد" مُطِلاً على مضيق هرمز، والذي نُطلق عليه تسمية "رأس مسندم" تمكيناً للأرض التي تحتضنه، والتي تتجلّى في عُمق البحر السحيق، وكأنّه يبتلع جُزر "سلامة وبناتها". وتلك الجُزر الصخرية المزروعة في تلك الأعماق، ليست كُتلاً جامدة مَنسية وسط تلاطم الأمواج العنيفة، بل هي أوعية وجدانية حية تمثل النقطة الأبعد لترسيم حدود الوعي والألفة العُمانية، وعلامة اهتداء طبيعية مزروعة وسط التيارات العاتية والممر الضيق العميق ــــ فك الأسد ــــ يهتدي بها البحارة لمعرفة طريقهم وحماية سُفنهم العابرة من الارتطام بالقاع.
وهنا نشير إلى تطابق الواقعية المعيشية مع ما أسسه الفيلسوف الفرنسي "غاستون باشلار" (Gaston Bachelard) في تنظيره الجدلي لـ "الخيال المادي" في أثره "الماء والأحلام" عام 1942م (والذي نقله إلى العربية المترجم د. علي نجيب إبراهيم)؛ مؤكداً أنّ المادة ليست جثة هامدة، بل هي مستودع لطاقة حيوية كامنة تستجيب للحوار الوجودي مع الإنسان المستخلف. وإذا ما نظرنا إلى جُزر سلامة وبناتها، نجدها ثابتة بكبرياء وجودي عميق في تكوين المضيق، وتُمارس هيبتها السيادية بحس دافئ حارسة لسرّ العلاقة العميقة وبدافع "جغرافيا الألفة".

إنّ امتداد السيادة على طول الساحل العُماني ليس خطاً هندسياً ترسمه القوانين الفيزيائية الجافة، بل هو مدار وجداني مُمتد من عنفوان "رأس ضربة علي" في الجنوب حتى لُطف "سلامة وبناتها" في الشمال؛ حيث تُبرهن تضاريس الصخر والجزر الشاهدة في المضيق وبحر عُمان الشمالي، أنّ حِس الجماد مُمتد في مادته الصلبة التي تحَوّلت إلى أوتاد صخرية تحرس جُغرافيا المكان، ومهما حاول المُستعمر رسم خطوط هندسية بملامح جافة، فإن مدارات الألفة تمتد كعمود فقري راسخ وقلب نابض، تنعتق من قيد الرسم الاستعماري وتستنطقنا بحس وجودي واعٍ، صُمّمت تكويناته ليحرس بعضه بعضاً. ومن رائحة الجبال الزكية بحسّها وحَسِيسها، نُزجي عَبَق الموروث العُماني الأصيل، كحِمْلٍ رصين في عُمقها الحِسي الصلد؛ ليؤصّل ملحمة الفِطرة الحية التي تجعل الصخور أوعية لحفظ السلام والألفة المعيشية؛ وتبقى السيادة الحِسية حكراً مصوناً، يمتد من جغرافيا الألفة بين البلدين ذوي الأصل الواحد في جغرافيته وأمكنته وجباله وحواسه الآدمية وفي عِناد كائناته البحرية والأرضية المُنبسطة وسلسلته الجبلية، وصولاً إلى أنطولوجيا الألفة في البيوت القديمة والأمكنة الأثرية التي نستوحي منها طينتنا العربية الأصيلة ونفخة الجذور الروحية العميقة في التكوين.

خُلاصة القول: إنّ سِر العظمة المودعة في مُعجزة صُنع الإنسان وما يُحيط به من بحر وجبال وأرض ووديان، هو إبداع استوى من عِلم خفيّ مُسَخر، ليكون ذلك كله مداراً لحِس وجودي يستنطقنا بالمقاومة وتفكيك زيف الخرائط الاستعمارية، ويُعيد وعْيَنا لحماية الجغرافيا المكانية لتكون صِنواً حقيقياً لا تَمَسّهُ الأفكار الاستعمارية وجفاء انتصاراتها، وتحمينا من كواليس رَسْمها المأفون. فطينتنا العربية مُودعة بالأسرار، وتقف صِنواً صخرياً وأوتاداً تحرس حياض الامتداد الواسع بحراً وأرضاً؛ لتبقى الألفة عُمانية دافئة بحسّها ووجدها وانتصارها. فكلما غشينا موج، أبحر بنا عِلم السرّ الأعظم إلى فضاءات الانعتاق بوعي عميق، يجعل السيادة التكوينية أوعية تحمي جغرافيا المكان؛ الأرض والبحر والجبال والوديان بوعي أريب، ونفخة روحية عميقة تحفظ الألفة بالسلام المُستمر.
•    هذا المقال يندرج ضمن سلسلة "حِسّ الجماد"، وهو يجسد فلسفة الجماد الحسية الواقعية المعيشية؛ الرؤية والأطروحة الفكرية الخاصة بالكاتب.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z