ناصر أبوعون
تخلُّصًا من قُماشة النثر الرحبة، وخروجًا عن نمط التقليد العربيّ المتوارث في كتابة أدب الإخوانيَّات- وهو فن عربيٌّ خالص- امتطى الشاعر صالح بن عيسى الطائي حِصان الشعر، وامتشق سيف القريض، وعزف حنينه لأهله في مسقط على قيثارة الوفاء، ونسج بُردةَ شوقه لأخيه حمد بن عيسى صورًا شعريّة مسبوكة على قبسات من شعاع نبضه في ليل مدينة مومبي الهنديّة؛ واستضوأ قافيتَه قناديلَ متلألةً تتراقص على رزحة دقات قلبه، وتَطْرَبُ موسيقاها على تفاعيل البحر الطويل الخليليّ، وترسم صُورَها الشعريةَ لوحاتٍ مغموسة فرشاتُها في حِبر القلب، وتستنطق ألفاظها من قاموس الحنين.

صالح الطائي نسبًا وصهرًا
الشاعر صالح بن عيسى بن صالح بن عامر الطائي (1932م- 1990م) والدُه الشيخ العلَّامة عيسى بن صالح الطائي قاضي قضاة مسقط في عهد السلطان تيمور، وأمّه كريمة العلامة القاضي الزاهد سعيد بن ناصر بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن محمد الكِنْديّ وجدّه لأبيه وجده لأبيه (الشيخ العلاّمة صالح بن سعيد بن عامر بن سعيد بن خلف الطائي) قاضي مسقط، وأخو جده (الشيخ العلّامة حمد بن سعيد بن عامر بن خلف الطائيّ) أحد رجالات (دولة الإمام عزان بن قيس).

نشأة صالح الطائي وموطنه
قيل إنّ هجرة أسرة الشاعر صالح بن عيسى الطائي من (سمائل الفيحاء) إلى (مسقط العامرة) عاصمة عمان واستيطانهم بقرية (بوشر) يرجع إلى نبوغ والده (الشيخ العلَّامة عيسى بن صالح الطائي، قاضي قضاة مسقط)، الذي أجاد فارتقى في القضاء نجمه، وارتفع بالإيمان والتقوى قدره، فصار مساعدًا لأبيه العلامة صالح بن عامر الطائي قاضي محكمة مسقط، ثم اعتلى منصة القضاء في ولاية مطرح، ثم صار (قاضي قُضاة مسقط) بتعطّف السلطان تيمور بن فيصل بن تركي بن سعيد بن سلطان البوسعيدي، ثّمَّ أنعم عليه بالعطايا السلطانيّة فأهداه (بيت الفوق)، و(مزرعة سيبا المال) في قرية (بوشر) وبعد استقرّت أحواله، وكَثُرَ عيالُه، ونَمَتْ أموالُه، وأعقبه الله من عقيلته خديجة بنت العلامة سعيد بن ناصر الكندي ثلاثة أولاد هم (حمود، وهاشم، وصالح)؛ وهذا الابن الثالث هو شاعرنا صالح بن عيسى الطائي الذي حكى عنه أولاده أنه كان دائم التَّغني بهذين البيتين تَشَرُّفًا ومفاخرًا بأبيه وأجداده: [قصر رسى فوق الثرى وسما إلى/ أعلى الطباق فلا يزال رفيعا- رتعت به من (آل طي) عصبة/ ورثوا المكارم والعلوم جميعا].
قراءة أسلوبية في قصيدة (مومبي)
على الرغم من ارتكاز هذه القصيدة على شكل (البرقية البريدية) في مباشرتها وآنيتها ومكانيتها، إلّا أنها تطورت من الشكل الخبري إلى الأسلوب الشعري بتوظيفها للإيقاع والتكرار والصورة الاستعارية، فضلًا عن وظيفتها التواصليّة التي جمعت بين (أدب الرحلة)، و(غرض المدح)، و(الرسالة الشخصية)، و(النَّفس الوجداني).
وعلى صعيد المستوى الإيقاعي والصوتي فإن القصيدة تدور في فلك صوتي تكراري لحرف الميم مداره القافية ليس كلازمة عروضية، فضلًا عن حضور صوته في المتن فإنّه يمرّر للقاريء ثيمة وجدانية جمعت بين الحزن الناتج عن مفارقة الأخ، وفرحة الوصول إلى (مومبي) مثل:(مغرم، إليكم، داركم، المزن، مسيلة، ممطرًا، مكارم، معظم، مكرم، مصمم، مذنبًا). والملفت للنظر هنا أنّ صوت الميم الشفوي بحضوره الطاغي كان مُشِّعًّا بالعديد من الحقول الدلالية المُعبّرة عن (الوفاء، والكرم، والحب) المحمولة على إيقاع مشحون بحالة الشاعر النفسية.

ثم يبرز (التكرار) كأداة أسلوبية ذات وظيفة دلالية واضحة نلاحظها في تكرار ألفاظ، مثل: (حمد/ ابن عيسى)، و(الدهر/ الزمان)، و(الكرم/ الجود/ المكارم)، و(الوفاء/ العهود)، و(المزن/ المطر/ ممطرًا)؛ فإذا ما تأملنا لفظة (المطر) ر|أيناها تحولت من ظاهرة طقسية ومناخية إلى رمز للكرم والعطاء في قول الشاعر: (بك المزن يا مومبي لا زال ساكنًا) (فزادك هذا المزن مطر مسيله)، ثم نقل الشاعر معنى المطر كظاهرة طبيعية في مدينة (مومبي) إلى شخصية أخيه حمد بن عيسى، حتى أصبح كرم أخيه حمد امتدادًا لكرم مدينة مومبي، والمطر صار صورة حسيّة لهذا الكرم الأخويّ.
وعلى (صعيد التراكيب النحوية والصرفية) نجد القصيدة تحفل بالجمل الفعلية، مما أضفى عليها سمة سرديّة نابضة بالحركة، وتوحي للقاريء بأنّ حالة الشاعر الوجدانية ليست ساكنة وأنّه كتبها تحت ضغط وإلحاح شعور عاطفيّ جارف ناتج عن شوقه لأخيه حمد، بل القصيدة تندرج تحت تصنيف أدب الرحلة ويرويها الشاعر لنا لحظة بلحظة، مثل: (أتيت، أقمت، تذكّرت، مدحت، دعوت، أفارق) إلى أن صارت قريبة الشكل والمضمون من البرقية البريدية، التي تحمل (أخبارًا مقتضبة، ثم تحكي ظرفًا آنيًّا، ثم يختتمها الشاعر بالدعاء المقرون بالوداع).
أمّا على (الصعيد التركيبيّ) فقد انتقلت القصيدة- عبر تعدّد الأصوات- من شكل الخطاب الشخصيّ إلى بنية وجدانية، تعددت فيها مستويات الخطاب عبر حركية (الالتفات بين المخاطب والغائب) وهذا التنقّل منحها تعددًا صوتيا؛ فالشاعر يخاطب مومبي: (أيا مومبي)، ثم يلتفت ليخاطب أخاه حمد بن عيسى (أيا حمد لزلت بالفضل سابقًا)، ثم ينتقل إلى مخاطبة الله داعيًا (وأسأل ربي أن يعافيك دائمًا)، ثم ينتقل لمخاطبة الزمن: (ألا قاتل الله الزمان)، ثم يعود إلى مخاطبة الله (فيارب وفقني لردّ جميله).
وعلى منحىً آخر نلمح نوعًا حادًا من الصراع بين تقلبات الدهر وصروفه والإرادة الإنسانيّة، وهذه السمة من أهم العناصر الأسلوبية داخل القصيدة؛ فالشاعر صالح بن عيسى الطائي يواجه الزمن بوصفه خصمًا في قوله: (صروف الدهر أودت)، ثم يتقدم خطوة باتجاه الصراع مع الزمن، فيقول: (ألا قاتل الله الزمان كما غدا)، ثم تصل ذروة الصراع مع الزمن كقوة قاهرة للإرادة الإنسانية فيقول: (ولا زال هذا الدهر مذنبًا)، ثم يشخّص الزمن في معاندته له فيقول:(يعاكس فيما رمته ويخاصم)، وهنا يبدو الزمن ليس محايدًا، بل قوة قاهرة تقف حائلةً بين رغبة الشاعر المتشوِّق للوصل، وبين أخيه حمد رمز الكرم والوفاء.
أمّا على صعيد بناء الصورة الشعرية نجد (المطر) صورة شعرية مركزية، تؤدي وظيفة مزدوجة تجمع بين مستويين: (مستوى حرفي) يصف طبيعة مدينة مومبي، و(مستوى رمزيّ) حيث المطر دالٌّ على الخير والكرم في قول الشاعر: (بك المزن يا مومبي لازال ساكنا) (فزادك هذا المزن مطر مسيله)، ثم تتداخل هذه الصورة مع صورة أخيه حمد بن عيسى (أيا حمد لازلتَ بالفضل سابقًا)، فصار أخوه حمد الذي يغمر الآخرين بكرمه شبيهُ بالمطر المعنويّ، وهذا الانتقال من المطر الطبيعي إلى الكرم الإنساني من أجمل التحولات الدلالية في القصيدة.
والصورة السابقة تنقلنا إلى ما يُسمى بـ(المدح التراكمي) باستخدام الشاعر صالح بن عيسى الطائي طبقات متتالية من الصور لوصف أخيه حمد بن عيسى، وويصف للقراء نظرته لأخيه كنموذج أخلاقيّ، وهي صورة تتصاعد تدريجيًّا بدأها الشاعر بوصف الفضل والكرم كسمة شخصية في أخيه، ثم انتقل إلى درجة أعلى في الوصف فرأه كمنظومة أخلاقية، ثم صعد درجة أعلى فجعله رمزًا اجتماعيًّا عامًا (فضل+ سجايا+ مكارم+ عظمة+ تاج)؛ في قوله (بالفضل سابقًا)، ثم (فلا غرو إن كانت سجاياك هكذا)، ثم (وأصبحت عند الخلق تاجًا معظَّم)، ثم يختتم الشاعر قصيدته بالدعاء لأخيه حمد بن عيسى، وهنا لطيفة بلاغية، حيث لاحظنا كيف انتقل الشاعر سريعًا من موقف مشحون بالحزن وشكوى الزمن غريمه الأول، الذي حال بينهما إلى موقف مشحون بالرجاء في قوله: (فأسال ربي أن يعافيك دائمًا)، ثم(يوقيك قوس الحاسدين عداوة)، ثم(فيارب وفقني لرد جميله)، ثم اختتم القصيدة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي الأخير.. يبقى القول في هذا النصّ الشعريّ الكلاسيكيّ تعددت مستويات اللغة في إطار تجربة شعرية واحدة؛ فالقصيدة صارت جسرًا بين (مسقط ومومبي)، وتحولت من برقية شعرية إلى وثيقة اجتماعية وجدانية، وامست الجغرافيا مسافة بين الغياب والحضور - بذل الشعر جهدًا عميقًا لإلغائها-، والمطر أضحى كَرَمًا، والمكان غدا ذاكرةً، والرحيل كان فراقًا، والزمن خصمٌ عنيد، والمدح وفاء، والدعاء أصبح وسيلة للوصل بعد انقطاع اللقاء.
