خارطة الطريق نحو تصدير ناجح

 

 

 

نبيل بن حيدر البلوشي **

nabeel.h.albalushi@gmail.com

كثيرٌ من الشركات تنظر إلى التصدير باعتباره امتدادًا طبيعيًا لنجاحها في السوق المحلي، وكأنَّ ما ينجح هنا لا بُد أن ينجح هناك أيضًا. وفي الحقيقة، أرى أن هذا من أكثر التصورات التي قد تكون مكلفة في عالم الأعمال، لأنَّ الدخول إلى سوق دولي جديد ليس توسعًا تلقائيًا في المبيعات، وإنما قرار استثماري يتطلب دراسة جاذبية السوق المستهدف، وقدرة الشركة الفعلية على المنافسة فيه، إلى جانب فهم المسار القانوني والتنظيمي والتجاري الذي سيحدد في النهاية نجاح هذه الخطوة من عدمه.

والانتقال من مجرد الرغبة في التوسع الدولي إلى استراتيجية قابلة للتنفيذ يبدأ من نقطة كثيرًا ما يتم تجاهلها، وهي تشخيص جاهزية الشركة نفسها قبل النظر إلى أي سوق خارجي. فالسؤال الأول في رأيي ليس: أين نصدّر؟ وإنما: هل نحن مستعدون للتصدير أصلًا من الناحية الإدارية والمالية والتشغيلية؟

فقد تمتلك الشركة منتجًا جيدًا، لكنها لا تمتلك الطاقة الإنتاجية الكافية لتلبية طلبات متكررة من أسواق بعيدة، أو تمتلك القدرة الإنتاجية لكنها تفتقر إلى السيولة اللازمة لتمويل دورة تصدير قد تمتد لأشهر بين الشحن والتحصيل. وهذا التشخيص الأولي هو ما يُحدد ما إذا كانت الشركة أمام فرصة قابلة للتنفيذ، أم أمام طموح يحتاج إلى مزيد من الاستعداد.

بعد ذلك تأتي دراسة الأسواق وترتيبها وفق مجموعة من المعايير، تبدأ من حجم الطلب الفعلي ومعدلات نموه، وتمر بشدة المنافسة، وتنتهي بمخاطر الدخول الاقتصادية والتشغيلية. وهنا يظهر الفرق بين شركة تتجه إلى أول سوق تصلها منه فرصة عبر معرض تجاري أو وسيط، وبين شركة تختار أسواقها وفق أولويات واضحة ومدروسة.

كما أن حجم السوق الكلي لا يعني بالضرورة أن الفرصة المتاحة للشركة بالحجم نفسه. فقد يكون السوق ضخمًا، لكن الجزء الذي يمكن الوصول إليه فعليًا محدود بسبب المنافسة أو قنوات التوزيع أو طبيعة العملاء. لذلك من المهم فهم سلوك العملاء، ومعرفة من يتخذ قرار الشراء، ومن ينافسك، وما الذي يمكن أن تقدمه بصورة أفضل.

ومن خلال اطلاعي على عدد من محاولات التوسع إلى أسواق جديدة، وجدت أن الفرصة التي تبدو مغرية في البداية قد تتغير صورتها تمامًا عندما تبدأ الشركة في احتساب تكلفة الوصول الحقيقية إلى العميل وفهم طبيعة المنافسة في السوق. فوجود الطلب مهم، لكنه لا يكفي وحده، والأهم أن تعرف الشركة لماذا سيترك العميل مورده الحالي ويشتري منها هي.

قد تكون الإجابة في جودة أعلى، أو سعر أفضل، أو سرعة في التوريد، أو مرونة أكبر، أو خدمة لا يقدمها المنافسون. وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الجانب القانوني والتنظيمي والفني، بدءًا من متطلبات الجمارك ووصولًا إلى شهادات المطابقة والمواصفات الفنية التي قد تختلف من بلد إلى آخر، لأن تجاهل هذه التفاصيل قد يؤدي إلى تكاليف وتأخير لم تكن في الحسبان.

وعندما تتضح هذه الصورة، يصبح من الممكن احتساب التكلفة الحقيقية للوصول إلى السوق وهامش الربح المتوقع. فقد يبدو سعر البيع في السوق المستهدف مغريًا، لكن الصورة تتغير بعد إضافة تكاليف الشحن والتأمين والتخليص والرسوم والتخزين والتسويق والعمولات وهوامش الموزعين، وعندها قد تكتشف الشركة أن السوق الذي بدا جذابًا في البداية لا يحقق العائد الذي يبرر دخوله.

ثم يأتي اختيار نموذج الدخول المناسب. هل الأفضل التصدير المباشر؟ أم الاعتماد على وكيل أو موزع يعرف السوق؟ أم الدخول في شراكة مع شركة محلية؟ وربما يستحق حجم الفرصة في بعض الأسواق وجودًا مباشرًا من خلال فرع أو مكتب تمثيلي. لا يوجد خيار واحد يناسب جميع الشركات والأسواق، وإنما يجب أن يرتبط القرار بطبيعة المنتج وحجم الفرصة والتكلفة ومستوى المخاطرة.

وبمجرد اختيار نموذج الدخول يبدأ العمل على تكييف المنتج أو الخدمة بما يناسب السوق الجديد وقوانينه ولغته وطبيعة المستهلك فيه، إلى جانب اختيار الشريك المناسب ووضع التسعير وقنوات التوزيع. وأرى أن البداية التدريجية تبقى من أكثر الخيارات حكمة، فبدلًا من الدخول بكميات كبيرة واستثمارات مرتفعة منذ البداية، يمكن اختبار السوق بكميات محدودة أو مع مجموعة من العملاء، ثم البناء على النتائج الفعلية: هل هناك طلب متكرر؟ هل السعر مناسب؟ هل الشريك قادر على الوصول إلى العملاء؟ وهل التكلفة الفعلية قريبة مما تم احتسابه؟

ومن هنا، فإن التصدير الناجح في رأيي لا يبدأ بخروج الشحنة من الميناء، وإنما قبل ذلك بكثير؛ عندما تعرف الشركة قدراتها، وتختار السوق المناسب، وتفهم العميل والمنافس، وتحسب التكلفة الحقيقية، ثم تحدد الطريقة الأنسب للدخول والتوسع.

فالنجاح ليس في الوصول إلى سوق جديد فقط، وإنما في القدرة على البقاء فيه وتحويل الصفقة الأولى إلى طلب متكرر، ثم إلى علاقة تجارية يمكن البناء عليها والنمو من خلالها.

وهنا يكمن الفرق بين تصدير منتج، وبناء سوق له.

** خبير اقتصادي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z