أنيسة الهوتية
عنوان لا يتقادم، ولا ينتهي، ولا ينقرض، ولا يفقد طعمه في كل مجلس، ولكننا نحتاج قبل خوض غمار الحديث أن نضع الآلة الحاسبة على الطاولة، قبل أن نلوم أو "ننقد" على فئة مجتمعية.
السكان في سلطنتنا الحبيبة ينقسمون تقريبًا إلى نصفين بنسبة تكاد تتعادل في الكفتين: مواطنون ووافدون. وداخل المجتمع العُماني الأصيل، النساء والرجال قريبون جدًا من النصف بالنصف؛ أي أنَّ المرأة العُمانية تمثل فعلا نصف المجتمع، وليست فئة صغيرة يمكن تجاهلها، وبنفس الوقت هي ليست فئة استحوذت على سوق العمل؛ لأن ليس كل امرأة عُمانية امرأة عاملة.
النساء العُمانيات يشملن المواليد الجدد، الأطفال، والطالبات، وكبيرات السن، والمتقاعدات، وربات البيوت، والنساء اللواتي لم يجدن فرصة عمل ففتحن مشاريعهن الخاصة، وأخريات اخترن التفرغ للأسرة. ولذلك فإنَّ النساء العاملات يمثلن أقل من نصف مجموع النساء، وقد تقترب النسبة، بحسب الفئات العمرية وتعريف «المرأة العاملة»، من الثلث والأغلب الربع.
الطفلة ليست في طابور التوظيف، والطالبة لم تدخل سوق العمل بعد، وكبيرة السن خرجت منه، وربّة المنزل تعمل داخل بيتها وإن لم يظهر اسمها في كشف الرواتب.
وهنا مفارقة تستحق التأمل: هل اختارت المرأة أصلًا أن تكون موظفة؟
في عالم الأنثى المثالي، ربما تتمنى معظم النساء حياة أكثر بساطة: بيت جميل، وأسرة مستقرة، وشخص يتكفل بمصاريفها؛ فتتفرغ له ولأطفاله وهو يعيشها مدللة كما تحب الأنثى الدلال. لكن الحياة لا تسير دائمًا بهذه الرومانسية.
هناك أرملة، ومطلقة، وزوج دخله لا يكفي أو مريض ومقعد، وأسرة لا تستطيع ضمان المستقبل، وامرأة تحتاج أن يكون لديها مالها الخاص حتى لا تضطر إلى سؤال أحد وتستغل.
ولهذا يمكن القول إن نسبة كبيرة من النساء يدخلن سوق العمل بدافع الحاجة والأمان أكثر من الرغبة في المنافسة. وما إن تدخل المرأة ساحة العمل، وتبني خبرتها ومسارها المهني، يصبح من الصعب أن يُقال لها بعد سنوات: «عودي إلى البيت، لقد انتهت مهمتك» لأنها تكون قد ارتبطت بمسؤوليات أكبر، وأيضا المسار المهني لا يتغير بسهولة.
وإذا كان المجتمع يريد فعلًا أن يقلل دخول النساء إلى سوق العمل، فربما عليه أن يقدم البديل أولًا: ماذا لو أصبحت ربة المنزل تحصل على دخل أو راتب تقديرًا لعملها الأسري؟ عندها قد تختار نساء كثيرات البقاء في المنزل طوعًا، بدل أن يضطررن إلى البحث عن وظيفة.
المسألة إذن ليست «نساء ينافسن الرجال»؛ بل ظروف تدفع النساء إلى العمل.
أما الوظائف، فلدينا نصف السكان تقريبًا من المواطنين، ونصف المواطنين تقريبًا من النساء وربعهن عاملات، بينما لدينا أيضًا حضور وافد كبير في سوق العمل؛ لذلك فإنَّ معالجة أزمة الوظائف تحتاج إلى النظر إلى الصورة كاملة، لا إلى المرأة وحدها.
ثم يأتي سؤال آخر: إذا كانت المرأة قد أمضت عشرين عامًا في العمل، فلماذا لا نناقش لها مسارًا أكثر مرونة للتقاعد المبكر، بدل أن يكون بلوغ الستين هو المحطة النهائية للجميع؟ وإذن نعتقد أن تعديل قانون التقاعد للمرأة يجعلها تنسحب سريعًا وتكتفي براتبها التقاعدي، وبالتالي يتم فسح المجال في الوظائف.
نحن لا نحتاج إلى إبعاد المرأة عن سوق العمل، بل إلى إعادة برمجة سوق العمل بنفسه وأن نجعل الاختيار ممكنًا للجميع؛ فحين تكون المرأة قادرة على العمل، فلها الحق في الفرصة. وحين تختار بيتها، يجب ألا يعني ذلك أنها بلا قيمة اقتصادية. وحين تضطر للعمل، فلا ينبغي أن تُعامل وكأنها أخذت مكان شخص آخر.
وفي النهاية، ربما المشكلة ليست أن النساء يعملن كثيرًا، بل أن الوظائف أقل من طموحات جيل كامل يمثل ربع المجتمع العُماني مُقابل التعداد الكامل. وهذه قضية أكبر بكثير من أن نضعها في خانة «المرأة» ونغلق الملف. وأنا ضد النسوية، للعلم!
