الأمراض الإجرائية.. العدو الصامت للاقتصاد العُماني

 

 

 

عبدالوهاب البلوشي

تواجه الاقتصادات الحديثة تحديات متعددة، تتراوح بين تقلبات الأسواق العالمية والمنافسة الدولية، وصولًا إلى التطورات التقنية المتسارعة. غير أن هناك تحديًا آخر أقل ظهورًا، لكنه لا يقل خطورة، وهو ما يمكن تسميته بـ«الأمراض الإجرائية».

ورغم أن هذا المصطلح غير شائع في الأدبيات الإدارية، إلا أنه يصف بدقة حالة تعيشها بعض المؤسسات عندما تتحول الإجراءات من وسيلة لتنظيم العمل إلى غاية بذاتها؛ فتبدأ في استنزاف الوقت والجهد والمال، وتصبح عائقًا أمام التنمية والاستثمار.

وُضعت الأنظمة واللوائح والإجراءات أصلًا لحماية المال العام، وتحقيق العدالة، وضمان الشفافية، وتعزيز الحوكمة. لكنها قد تفقد وظيفتها الأساسية عندما تتضخم بصورة غير مدروسة، أو تتداخل الاختصاصات، أو يغيب الوضوح، أو يصبح الالتزام بالإجراء أهم من تحقيق النتيجة. وهنا تبدأ الأمراض الإجرائية في الظهور.

هذه الأمراض لا تشبه الفساد الإداري الذي يظهر بوضوح ويمكن محاربته بالقانون، بل هي أشبه بمرض مزمن يتسلل بهدوء إلى مفاصل الإدارة، حتى يصبح التعقيد أمرًا اعتياديًا، والتأخير ممارسة يومية، وتعدد الموافقات جزءًا من الثقافة المؤسسية.

وأخطر ما في هذه الأمراض أنها لا تظهر في الموازنة العامة للدولة، ولا تُقاس في التقارير المالية، لكنها تفرض تكلفة اقتصادية باهظة يدفعها المستثمر ورجل الأعمال والمواطن والمقيم يوميًا. فكل يوم تتأخر فيه الموافقة على مشروع استثماري يعني تكلفة إضافية في الإيجارات والرواتب والفوائد المصرفية ورأس المال المعطل والفرص الضائعة. وكل إجراء غير ضروري يعني ساعات عمل مهدرة كان يمكن توجيهها للإنتاج والابتكار وخلق القيمة.

ولا يقتصر تأثير هذه الأمراض على المستثمرين؛ بل يمتد إلى الاقتصاد الوطني بأكمله، فيؤدي إلى ارتفاع تكلفة ممارسة الأعمال، وانخفاض الإنتاجية، وتراجع القدرة التنافسية، وتباطؤ دخول الاستثمارات الجديدة، وإحجام بعض المستثمرين عن التوسع أو تفضيل أسواق أخرى أكثر وضوحًا وسرعة.

وفي عالم تتنافس فيه الدول على جذب رؤوس الأموال، لم تعد المنافسة تقتصر على الإعفاءات الضريبية أو انخفاض الرسوم، بل أصبحت تعتمد أيضًا على سهولة ممارسة الأعمال وسرعة اتخاذ القرار ووضوح الإجراءات. فالمستثمر اليوم قد يتحمل ضريبة أعلى إذا كان يعلم مسبقًا ما المطلوب منه، ومتى سينتهي طلبه، ومن هي الجهة المسؤولة عن القرار. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها عدم اليقين، وتعدد التفسيرات، وتغير المتطلبات، وطول فترات الانتظار.

ومن هذا المنطلق، فإن الاقتصاد لا يحتاج فقط إلى رؤوس الأموال، بل يحتاج أيضًا إلى الثقة. والثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما ببيئة تنظيمية مستقرة، وإجراءات واضحة، وقرارات سريعة، وعدالة في التطبيق.

وفي سلطنة عُمان، بذلت الحكومة خلال السنوات الماضية جهودًا مهمة في التحول الرقمي وتبسيط عدد من الخدمات وتطوير التشريعات، وهي خطوات تستحق التقدير. إلا أن تحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040" يتطلب استمرار المراجعة الدورية للإجراءات، لأن التحول الرقمي وحده لا يكفي إذا انتقلت الإجراءات المعقدة نفسها إلى المنصات الإلكترونية دون إعادة تصميمها وتبسيطها؛ إذ إن التحول الرقمي الحقيقي لا يعني استبدال الورق بالشاشة، بل يعني إعادة التفكير في الإجراء نفسه، والسؤال: هل هذه الخطوة ضرورية؟ وهل تضيف قيمة؟ وهل يمكن اختصارها أو دمجها أو إلغاؤها؟

إنَّ مكافحة الأمراض الإجرائية تحتاج إلى تحول في الفلسفة الإدارية، بحيث يصبح معيار النجاح هو سرعة تحقيق النتائج وجودة الخدمة، وليس عدد النماذج أو الموافقات أو المراسلات. كما تحتاج إلى مراجعة دورية لجميع الإجراءات الحكومية، وإلغاء كل إجراء لا يضيف قيمة حقيقية، واعتماد مبدأ «تقديم البيانات مرة واحدة» حتى لا يُطلب من المستثمر تقديم المعلومات ذاتها لعدة جهات، مع تعزيز التكامل بين المؤسسات الحكومية.

ومن المهم أيضًا أن تخضع أي رسوم أو متطلبات جديدة لتقييم اقتصادي مسبق يجيب عن سؤال جوهري: هل ستسهم هذه الإجراءات في تحسين بيئة الأعمال أم ستضيف تكلفة جديدة قد تحد من الاستثمار؟

ولا يقل أهمية عن ذلك ترسيخ ثقافة اتخاذ القرار، وتمكين الموظفين من ممارسة صلاحياتهم وفق ضوابط واضحة، حتى لا تتحول كثرة الإحالات واللجان إلى وسيلة لتجنب المسؤولية وتأجيل الإنجاز.

ولا شك أن بناء اقتصاد قوي لا يعتمد فقط على حجم الإنفاق أو عدد المشروعات، وإنما يعتمد أيضًا على كفاءة الجهاز الإداري الذي يدير هذا الاقتصاد. فكل دقيقة تُوفَّر في دورة الإجراءات هي إنتاجية إضافية، وكل خطوة تُختصر هي تكلفة أقل، وكل قرار يصدر في الوقت المناسب هو رسالة ثقة للمستثمر.

وأخيرًا.. ربما آن الأوان لأن ننظر إلى الإجراءات بالطريقة نفسها التي ينظر بها الأطباء إلى صحة الإنسان. فكما أن الجسم يحتاج إلى جهاز مناعة يحميه دون أن يهاجِم أعضاءَه، فإن الاقتصاد يحتاج إلى منظومة تنظيمية تحميه دون أن تعيق حركته. فإذا كان الفساد يمثل سرطانًا يلتهم الاقتصاد، فإن الأمراض الإجرائية تشبه تصلب الشرايين؛ فهي لا تقتله دفعة واحدة، لكنها تبطئ تدفق الاستثمار، وترفع تكلفة النشاط الاقتصادي، وتستنزف فرص النمو عامًا بعد عام.

ومن هنا، فإن مراجعة الإجراءات وتبسيطها لم تعد خيارًا إداريًا، بل أصبحت ضرورة اقتصادية، وركيزة أساسية لبناء اقتصاد أكثر تنافسية، وأكثر قدرة على جذب الاستثمار، وأكثر انسجامًا مع طموحات رؤية "عُمان 2040".

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z