الزهراء بنت محمد العبري
ليست كل المدن تُقاس بمساحتها، ولا بعدد فنادقها، ولا حتى بعدد زوارها. فهناك مدن تُقاس بما تتركه في القلب، وبما تصنعه في اقتصاد الوطن، وبقدرتها على أن تتحول من لوحةٍ طبيعية إلى قصة نجاح تُروى للأجيال. وصلالة واحدة من تلك المدن.
كل عام، ومع أول قطرة مطر تعانق جبال ظفار، تتغير ملامح المكان، وكأن الأرض تقرر أن تعيد كتابة فصل جديد من الجمال. يكسو اللون الأخضر الجبال، وتنساب المياه من العيون والشلالات، ويغمر الضباب الطرقات في مشهد يجعل الزائر يشعر وكأنه عبر حدود الجغرافيا إلى عالم آخر.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: لماذا يزور الناس صلالة؟ بل: كيف استطاعت صلالة أن تتحول إلى إحدى أهم ركائز السياحة في سلطنة عُمان؟
الإجابة لا تكمن في الطبيعة وحدها، فالجمال هبة من الله، أما النجاح فهو صناعة الإنسان. لقد أثبتت سلطنة عُمان أن الاستثمار في الموارد الطبيعية لا يعني استنزافها، بل الحفاظ عليها وتحويلها إلى مصدر للتنمية المستدامة. ومن هنا أصبحت صلالة نموذجًا حيًا يجمع بين البيئة والاقتصاد والثقافة في معادلة يصعب تحقيقها.
واليوم، لم تعد السياحة في صلالة نشاطًا موسميًا فحسب، بل أصبحت محركًا اقتصاديًا ينعكس أثره على الفنادق، والمطاعم، والأسواق، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وفرص العمل، والنقل، والخدمات، وكل قطاع يرتبط بحركة الزوار. إنها منظومة متكاملة تثبت أن السياحة ليست ترفًا، بل صناعة قادرة على بناء اقتصاد متنوع ومستدام.
غير أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تحقق فقط، بل بما يمكن تحقيقه مستقبلًا. فالمنافسة السياحية العالمية تتطور بسرعة، والزائر لم يعد يبحث عن المناظر الطبيعية وحدها، بل عن تجربة متكاملة تبدأ منذ لحظة وصوله، وتستمر حتى مغادرته. وهذا يتطلب استمرار تطوير البنية الأساسية، وإثراء الفعاليات الثقافية، وتشجيع الاستثمار في السياحة البيئية، وتقديم تجارب تعكس الهوية العُمانية الأصيلة.
إن رؤية "عُمان 2040" وضعت السياحة في قلب التنويع الاقتصادي، وصلالة اليوم تقدم الدليل العملي على أن هذه الرؤية ليست شعارات، بل واقع يتشكل عامًا بعد عام. فهي مدينة تمتلك كل المقومات لتكون وجهة عالمية على مدار العام، لا في موسم الخريف فقط.
وفي زمن تتنافس فيه الدول على صناعة وجهاتها السياحية، لا تحتاج صلالة إلى أن تُصنع لها هوية، فهي تملك هويتها منذ آلاف السنين. ما تحتاج إليه هو أن تستمر في سرد قصتها للعالم، وأن يشارك الجميع في الحفاظ على هذا الإرث الطبيعي الفريد.
فصلالة ليست مجرد مدينة خضراء، وليست مجرد وجهة يقصدها السائح لالتقاط صورة جميلة، بل هي رسالة تقول إن التنمية يمكن أن تبدأ من شجرة، ومن عين ماء، ومن إنسان يؤمن بأن أجمل استثمار هو الاستثمار في وطنه.
وحين يغادر الزائر صلالة، فإنه قد ينسى أسماء الطرقات والفنادق، لكنه لن ينسى ذلك الشعور الذي رافقه وهو يرى الطبيعة تتحدث بلغة لا تحتاج إلى ترجمة. وهنا يكمن سر صلالة الحقيقي؛ فهي لا تستقبل الزوار فقط، بل تترك فيهم أثرًا يجعلهم يعودون إليها مرة بعد أخرى، ويجعل اسمها حاضرًا كلما ذُكر الجمال.
