د. ريم بنت محمد الحشار
مستشارة في رفاه المؤسسات والأعمال
تستند سيكولوجية القائد في البيئة المهنية علميًا إلى بنية معرفية متكاملة يتقاطع فيها علم النفس التنظيمي لتصميم بيئات العمل، مع علم النفس الاجتماعي لفهم أنماط الأفراد والمجموعات، مدعومين بركيزة بيولوجية صلبة يوفرها علم الأعصاب الإدراكي ليترجم هندسة بيولوجية داخل دماغ القائد عبر آليات عصبية وإدراكية دقيقة تتحكم في سلوكه وتأثيره. فكل قائد إنسان، ولكن ليس كل إنسان قائدًا.
وعند الدخول في أروقة الدماغ، يمكن إبراز ثلاثة عناصر عصبية رئيسة تساعد على تفسير بعض جوانب طريقة تفكير القائد وسلوكه واستجابته للمواقف المختلفة، وهي: القشرة الجبهية الأمامية، واللوزة الدماغية، ومنظومة الخلايا العصبية المرآتية. وتبرز القشرة الجبهية الأمامية بوصفها إحدى المناطق المهمة المرتبطة بالوظائف التنفيذية المعقدة؛ إذ تشير الباحثة أديل دايموند (Diamond, 2013) إلى أن الوظائف التنفيذية تشمل مجموعة من العمليات المعرفية الأساسية، من أبرزها التحكم المثبط، والذاكرة العاملة، والمرونة المعرفية، وهي عمليات تساعد الإنسان على تنظيم أفكاره وسلوكه والتعامل مع المواقف التي تتطلب التركيز والتكيف وضبط الاستجابات. ومن منظور القيادة، تكتسب هذه الوظائف أهمية في دعم قدرة القائد على التعامل مع المواقف المعقدة، والموازنة بين البدائل، وضبط الاستجابات أثناء عملية اتخاذ القرار.
كما تؤدي اللوزة الدماغية دورًا مهمًا في معالجة الإشارات الانفعالية، ولا سيما المرتبطة بالتهديد والخوف، وهو ما يجعل التفاعل بينها وبين مناطق القشرة الجبهية الأمامية مهمًا في تفسير قدرة الفرد على تنظيم استجاباته الانفعالية في المواقف الضاغطة. وتتحرك اللوزة الدماغية (مركز العواطف والخوف) في المواقف الحرجة محفزة استجابة الكرّ أو الفر، والتي تبرز قوة القائد في قدرته العصبية على كبح الانفعال غير العقلاني؛ حيث يتدخل الفص الجبهي سريعًا لتهدئة اللوزة، مما يتيح للقائد المحافظة على الاتزان النفسي والثبات تحت الضغوط الشديدة، ويحظر بذلك القرارات الانفعالية وغير العقلانية المدفوعة بالخوف أو الغضب. كما ترتبط منظومة الخلايا العصبية المرآتية بعمليات محاكاة أفعال الآخرين وفهم بعض الإشارات المرتبطة بسلوكهم، وقد طُرحت بوصفها إحدى الآليات العصبية المحتملة المرتبطة ببعض جوانب الإدراك الاجتماعي والتعاطف.
وتعمل هذه الخلايا كجسر تواصل لا واعٍ بين الأدمغة، وتتجلى وظائفها في المحاكاة العصبية التلقائية وتحليل انفعالات وحركات الآخرين ومحاكاتها داخليًا، مثل تقلص عضلات الوجه البسيطة لتعكس الابتسامة أو الغضب، وهي التفسير العلمي وراء رغبتنا الفطرية في الضحك عندما نرى شخصًا آخر يضحك. ومن هنا؛ يساعد الانتباه إلى الإشارات الاجتماعية والانفعالية القائد على استشعار حالات أفراد الفريق وفهمها بصورة أفضل. وفي المقابل، تنعكس الحالة المزاجية وسلوكيات القائد تلقائيًا على بيئة العمل كاملة؛ فإذا كان القائد متوترًا ساد القلق، وإذا كان هادئًا ومحفزًا نشر الاستقرار والإنتاجية.
ونظرًا للدور الجوهري لهذه الخلايا في قراءة الإشارات الاجتماعية وفهم عواطف الآخرين، يربط بعض العلماء وجود خلل أو اختلاف في كفاءة عملها لدى الأفراد المصابين باضطراب طيف التوحد وأصحاب التنوع العصبي، مما يؤثر على نمط تواصلهم الاجتماعي وقراءتهم للتعبيرات غير اللفظية. غير أن تفسير السلوك القيادي لا يكتمل داخل أروقة الدماغ وحدها؛ فالقيادة فعل اجتماعي بطبيعتها، ولا تتجلى إلا في علاقة القائد بالآخرين. وهنا ينتقل التحليل من المستوى العصبي إلى علم النفس الاجتماعي، الذي يساعد على فهم التأثير والإقناع والهوية الجماعية والعلاقة بين القائد وأفراد الفريق.
ويحلل هذا العلم مدى تأثير القائد على الفريق وسلوك الأفراد في المجتمع المهني. وتمكّن الشخصية الجذابة (الكاريزمية) القائد من التأثير وخلق رابط عاطفي قوي يسهّل امتثال الأفراد للأوامر عن اقتناع وحب. ويسهّل تمثيل القائد لقيم الفريق في تغيير وتشكيل قناعات وسلوكيات الأفراد داخل البيئة المهنية، مما يساهم في خلق نموذج حي للهوية المشتركة. كما يحرص القائد على صنع قرار متوازن بين رأي الأغلبية ورؤيته الشخصية، لخلق بيئة تشجع المشاركة في صنع القرار وتعدد وجهات النظر، مع تجنب هيمنة الرأي الفردي ومخاطر التفكير الجمعي.
ويلتقي عالم المال والأعمال مع الأصل البيولوجي والعلوم الإنسانية والاجتماعية لصياغة سيكولوجيا القائد في عالم المؤسسات عبر علم النفس التنظيمي، حيث تؤثر شخصية القائد وسلوكه مباشرة في نفسية الموظفين وأدائهم الوظيفي، بما ينعكس على استدامة الأداء والفاعلية المؤسسية. وفي هذا السياق، تؤكد الباحثة جينيفر جورج (George, 2000) أهمية العواطف والذكاء العاطفي في عملية القيادة، ودورهما في فهم المشاعر وإدارتها والتفاعل مع الآخرين. فوعي القائد بمشاعره ومشاعر الموظفين من حوله، وقدرته على فهم احتياجاته واحتياجات الفريق، يُعدّان من الركائز الأساسية التي تدعم فاعليته في القيادة المؤسسية. كما يعزز وعي القائد بأسباب الضغوط المهنية وتدني الأداء قدرته على توجيه سلوك الأفراد نحو زيادة الكفاءة عبر الدعم والتحفيز بدلًا من لغة الأوامر والسيطرة، ويسهم التواصل الشفاف والمستمر بين القائد والأفراد في تعزيز روح التعاون الجماعي والثقة، بما يدعم تحقيق الأهداف التنظيمية بكفاءة وفاعلية.
إنّ القيادة ليست مجرد منصب إداري أو سلطة ممنوحة، بل هي منظومة إنسانية معقدة تتفاعل فيها آليات الدماغ مع الذكاء الاجتماعي والتنظيمي، وتنعكس في النهاية على سلوك القائد وقراراته وطريقة تعامله مع الآخرين. فالقائد الحقيقي هو من يصنع بيئة عمل تتكامل فيها العقلانية والإنسانية؛ فتكبح عقلانيته جماح انفعالاته، وتقود عواطفه الإنسانية مسيرة التعاون والإنجاز. وهكذا تبدأ سيكولوجيا القائد من الدماغ، لكنها تتجلى في السلوك.
Diamond, A. (2013). Executive functions. Annual Review of Psychology, 64, 135–168. https://doi.org/10.1146/annurev-psych-113011-143750
George, J. M. (2000). Emotions and leadership: The role of emotional intelligence. Human Relations, 53(8), 1027–1055. https://doi.org/10.1177/0018726700538001
