د. وليد بن أحمد المحروقي
لا يختلف اثنان على أن الجامعات والمؤسسات الأكاديمية تؤدي دورًا محوريًا في إعداد الكفاءات الوطنية، وبناء العقول، وإنتاج المعرفة، وتأهيل المختصين في مختلف المجالات. كما أن الشهادة العلمية تمثل ثمرة سنوات من الاجتهاد والبحث والتعلم، وهي بلا شك عنصر مهم في بناء المسار المهني للفرد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يكفي التأهيل الأكاديمي وحده ليكون صاحبه قائدًا ناجحًا لمؤسسة عامة أو خاصة؟
إن الواقع الإداري، داخل السلطنة وخارجها، يقدم إجابة أكثر تعقيدًا من مجرد نعم أو لا. فالقيادة ليست شهادة تُعلق على الجدار، بل هي مسؤولية تتطلب رؤية استراتيجية، وخبرة عملية، وقدرة على اتخاذ القرار في الظروف المختلفة، ومهارة في إدارة الموارد البشرية والمالية، والتعامل مع التحديات والمتغيرات، وتحفيز فرق العمل، وصناعة بيئة مؤسسية قائمة على الإنجاز والابتكار.
لقد شهدت مؤسسات عديدة نجاحات كبيرة على أيدي قادة لم يكن أبرز ما يميزهم عدد الشهادات التي يحملونها، وإنما امتلاكهم للحكمة، والقدرة على قراءة الواقع، والاستماع إلى فرق العمل، واتخاذ القرارات في الوقت المناسب. وفي المقابل، عرفت مؤسسات أخرى تعثرًا رغم أن قادتها يمتلكون مؤهلات أكاديمية رفيعة. وهذا لا يعني أن المشكلة تكمن في الأكاديميين، وإنما في الاعتقاد بأن المؤهل العلمي وحده يكفي لقيادة مؤسسة معقدة ومتعددة المهمات.
إن الإدارة المؤسسية ليست امتدادًا مباشرًا للعمل الأكاديمي، فلكل منهما طبيعة مختلفة. فالعمل الأكاديمي يركز على البحث والتعليم وإنتاج المعرفة، بينما تتطلب القيادة التنفيذية إدارة المصالح، وتحقيق المستهدفات، والتعامل مع الأزمات، وإدارة التغيير، وبناء ثقافة مؤسسية قادرة على التطور والاستدامة. ومن ينجح في المجال الأول قد ينجح في الثاني إذا امتلك المهارات القيادية، لكنه قد يحتاج أيضًا إلى خبرات عملية تؤهله لهذه المسؤولية.
ومن هنا، فإن الخطأ لا يكمن في تمكين الأكاديميين من المناصب القيادية، بل في غياب معايير شاملة للاختيار. فالمؤسسات لا تحتاج إلى قائد يحمل أعلى المؤهلات العلمية فحسب، بل إلى قائد يجمع بين العلم والخبرة والكفاءة والقدرة على الإنجاز. وكلما كانت معايير الاختيار قائمة على الجدارة والنتائج، زادت فرص نجاح المؤسسة، بغض النظر عن الخلفية المهنية أو الأكاديمية للقيادي.
إن الدول التي حققت نجاحًا مؤسسيًا لم تبنِ منظوماتها على معيار واحد، وإنما اعتمدت على مبدأ تكامل الخبرات. فهي تستفيد من الأكاديمي الذي يمتلك رؤية علمية، كما تستفيد من الإداري الذي راكم خبرة طويلة في الميدان.
