لكل زمان دولة ورجال

 

سالم البادي (أبو معن)

تاريخ ينهار، وأمم تباد، وأوبئة تجتاح البشرية.

في هذا المقال، نبحر عميقاً في سنن الكون لنرى اللطف الخفي خلف قسوة الابتلاء، ونكتشف كيف يصنع المؤمن من حطام الأزمات رافعة لنهضة جيل بأكمله.

"تلاطم الأمواج وميزان الحكمة الإلهية"

يمر عالمنا اليوم بمنعطفات حادة وتحديات غير مسبوقة، تتداخل فيها الكوارث الطبيعية المدمرة بالأوبئة الفتاكة، وتتشابك فيها الصراعات والحروب مع الأزمات الاقتصادية الخانقة التي ألقت بظلالها على المجتمعات البشرية كافة. أمام هذا المشهد المعقد، قد يشعر الإنسان بالضعف وقلة الحيلة، وتتملك القلوب حيرة تجاه ما يخبئه المستقبل من تحولات ومحن. إلا أن النظرة العميقة والواعية لحقائق الوجود تُعيد صياغة هذا المشهد بالكامل، لتضع كل هذه الأحداث في سياقها الحقيقي؛ فهي ليست فوضى عارمة أو مصادفات عشوائية، بل هي سنن كونية وتدابير حكيمة من صنع الخالق سبحانه وتعالى، الذي يُدبر الأمر من السماء إلى الأرض بميزان العدل والحكمة.

إنَّ الابتلاء جزء لا يتجزأ من حكمة الخلق، كما أكد القرآن الكريم في قوله تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ".

"شراع الإيمان في عواصف الحياة"

إنَّ الإيمان بالقدر خيره وشره هو الركيزة الأساسية التي يستند إليها المؤمن في مواجهة عواصف الحياة.

هذا الإيمان ليس استسلامًا سلبيًا، بل هو تواؤم روحي وعقلي عميق مع إرادة الله، ويقين راسخ بأن كل ما يجري في الكون يحمل في طياته أسرارًا وحكمًا قد تخفى على الإدراك البشري القاصر. عندما تشتد الأزمات، يتجلى دور العقيدة في منح النفس السكينة والرضا، وتحويل الخوف إلى أمل، والجزع إلى صبر واحتساب، مستحضرين قول النبي صلى الله عليه وسلم:

"عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له".

فالمؤمن يرى في هذه الابتلاءات اختبارًا لصلابته، ومحطة لمراجعة الذات وتصحيح المسار والعودة إلى الله، طمعًا في معيته ولطفه.

مرآة التاريخ.. الأيام دول والأعمار موقوتة وتحتم سنة الله الكونية على الإنسان العاقل أن يعتبر من هذه المصائب والكوارث والحروب، وأن يستخلص منها العظة والدروس والعبر؛ فالتاريخ لم يكتب ليروى فحسب، بل ليكون مرآة تبصر بها الأمم حاضرها ومستقبلها، كما قال تعالى:

"لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ".

إن قراءة حركة التاريخ تذكرنا دائمًا بالحقيقة الخالدة: "لو دامت لغيرك ما كانت قد وصلتك"، وتؤكد الحكمة المأثورة بأن "لكل زمان دولة ورجال"؛ فالأيام دول، والجاه والسلطان والرخاء عوارٍ مستردة.

إن الأمم السابقة والبائدة، من عاد وثمود وفراعنة وقياصرة، كان لها عمر محدد وأجل مكتوب وقد مضى وانقضى، وجاءت من بعدها دول وأمم جديدة، وتعاقبت عصور تلو أخرى في تداول مستمر أقرّه الخالق في قوله: "وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ".

فلا أحد يعيش عصر غيره، ولا بقعة تدوم على حالها؛ مما يستوجب الاستيقاظ من الغفلة وبناء الحاضر بوعي مستفاد من حطام الماضي.

"من رحم المحنة تولد المنحة"

إن أقدام الأقدار لا تسير عبثاً، بل تتهادى بميزان اللطف الإلهي الذي يحول غياهب الجب إلى عروش التمكين، فما من شدة تجتاح الحياة إلا وهي تخبئ في طياتها بذور فرج غير متوقع.

إن الله سبحانه يخرج من رحم الأزمات والخطوب أعظم الرحمات؛ فيتولد من الخوف سكينة الإنابة، ومن ضيق الفقر اتساع التكافل، ومن حطام الحروب والزلازل صلابة البناء والنهوض من جديد.

هذه السنّة التربوية تؤكد للمؤمن أن المنع في ظاهره هو عين العطاء في باطنه، وأن الابتلاء ليس عقاباً بل هو صقل للنفوس وتطهير لها، لتستقبل من بعده غيث اليُسر والرحمة، مصداقاً لقول الشاعر:

وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ لَهَا الْفَتَى ...

ذَرْعاً وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ

ضَاقَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا ...

فُرِجَتْ وَكُنْتُ أَظُنُّهَا لا تُفْرَجُ

"انقشاع الغمام والعبور نحو بر الأمان"

في نهاية المطاف، ومهما بلغت شدة هذه الأزمات وقسوتها، فإنها تظل في عمر الزمن مجرد "سحابة صيف" عابرة، لا تلبث أن تقشع لتشرق خلفها شمس الفرج واليسر. إن دوام الحال من المحال، والقرآن يرسخ في نفوسنا هذا التفاؤل الحتمي بقوله جل وعلا: "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا".

بالتكافل والتمسك بالقيم الإيمانية، يستطيع الإنسان العبور من هذه الأمواج المتلاطمة إلى بر الأمان.

وتأتي البشارة الربانية للذين صبروا وثبتوا في قوله تعالى:

"الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ"،

ليبقى اللطف الخفي محيطًا بالعباد ومبشرًا بانتهاء المحنة مهما طال ليلها.

"نداء الجيل الحاضر..

من الشكوى إلى النهضة"

بناءً على هذه العبر الراسخة، يقع على عاتق جيلنا الحالي واجب عملي ومسؤولية تاريخية تحتم عليه الانتقال الفوري من سياق الشكوى والانتظار إلى ميدان العمل والبناء الفعال.

إن الاستيعاب الحقيقي لسنن التغيير والابتلاء يفرض علينا ترسيخ قيم التكافل المجتمعي، واليقين الواعي بمجريات الأمور، وتوظيف الإمكانات المعرفية والعلمية لترميم حاضرنا وصناعة مستقبل آمن لأمتنا.

لسنا مجرد عابري سبيل في هذا العصر، بل نحن بناة حضارته؛ ومهمتنا الأساسية اليوم هي تحويل هذه الأزمات العابرة من عقبات تُعيق المسير، إلى روافع حقيقية للنهضة، ومحطة للاستقواء بالدرس لإنتاج غدٍ أكثر صلابة ووعياً كما صاغ ذلك أمير الشعراء واصفاً قيمة السعي والبناء:

وَمَا نَيلُ المَطَالِبِ بِالتَّمَنِّي... وَلَكِن تُؤْخَذُ الدُّنْيَا غِلَابَا.

الأكثر قراءة

z