لا تتركوا خلفكم إلا جمال المكان

 

 

د. ذياب بن سالم العبري

حين نصل إلى ضفة وادٍ، أو شاطئ، أو روضة خضراء، أو ظل شجرة وارفة، فإن أول ما نبحث عنه هو المكان النظيف الهادئ الذي يشرح الصدر ويمنح الأسرة والأطفال متعة الاستجمام. غير أن بعض الزوار يستمتعون بجمال المكان، ثم يغادرونه وقد تركوا خلفهم أكياس الطعام وعبوات المياه وبقايا الفحم، وكأن انتهاء الرحلة يعني انتهاء مسؤوليتهم عنه.

وللإنصاف، لا يصح تعميم هذه التصرفات أو تصويرها على أنها ظاهرة تمثل المجتمع؛ فهي سلوكيات خاطئة ومحدودة تصدر من البعض، لكنها تستحق التنبيه والمعالجة قبل أن تتكرر أو تصبح مألوفة. والسؤال الأهم ليس: من سينظف المكان بعدنا؟ وإنما: لماذا نتوقع من أحد أن ينظف خلفنا ما كان واجبًا علينا أن نحمله معنا؟

لعل أصل المسألة تربوي قبل أن يكون خدميًا. فالطفل الذي يرى أسرته تجمع مخلفاتها قبل المغادرة يتعلم عمليًا أن المكان العام أمانة، وأن احترام الآخرين جزء من حسن التربية. أما حين يعتاد أن يترك ما استخدمه في مكانه منتظرًا من يجمعه، فإننا نغرس فيه، من حيث لا نشعر، الاتكالية وضعف المسؤولية. ومن هنا فإننا لسنا أمام قضية نظافة فحسب، بل أمام قيمة مجتمعية تتشكل بالقدوة والممارسة.

إن المكان العام الذي لا نملكه منفردين لا يعني أنه بلا صاحب، بل هو حق للمجتمع كله، وحق لمن يأتي بعدنا كما كان حقًا لنا حين وصلنا إليه. ومن حق الأسرة التالية أن تجد ظل الشجرة نظيفًا، وضفة الوادي جميلة، والشاطئ خاليًا من المخلفات. والمسؤولية الأولى تقع على من أحدث المخلفات، فردًا كان أو أسرة أو مجموعة، وعلى مسؤول الرحلة التأكد من جمعها قبل المغادرة. وعدم وجود حاوية قريبة ليس مبررًا؛ فمن استطاع حمل حاجاته إلى المكان، يستطيع إعادة مخلفاتها معه إلى أقرب حاوية.

ولا يقف أثر المخلفات عند تشويه المنظر؛ فقد تصل إلى مجاري الأودية والبحر، وتؤذي الحيوانات والطيور، وقد تتسبب بقايا الفحم والزجاج في حرائق أو جروح، فيمتد ضررها بعد رحيل أصحابها.

وفي المقابل، فإن التحية والتقدير والإكبار واجبة لكل أب وأم، ولكل أسرة ومجموعة، حرصوا على تنظيف مكانهم وربّوا أطفالهم والناشئة على ذلك. فهؤلاء لا يجمعون مخلفات رحلة فحسب، وإنما يغرسون قيمة، ويبنون وعيًا، ويقدمون درسًا حيًا في المواطنة. إن تنمية حب الأوطان تبدأ من الأشياء الصغيرة: من طفل يلتقط عبوة فارغة، أو يضع بقايا الطعام في الكيس المخصص، أو يتأكد مع أسرته من أن المكان بقي نظيفًا قبل الرحيل.

وللبلديات والجهات المختصة دور مهم في توفير الحاويات والخدمات والتوعية والرقابة، وللمدارس والأندية والفرق الأهلية ومؤسسات المجتمع دور في بناء الوعي، غير أن هذه الأدوار لا تلغي مسؤولية الفرد. كما أن العمل التطوعي في تنظيف الشواطئ والأودية عمل وطني نبيل، لكنه يساند المسؤولية الشخصية ولا يحل محلها؛ وأصدق التطوع أن يبدأ الإنسان بنفسه، فإن نظف مكانه وحمل شيئًا مما تركه غيره، جمع بين الواجب والقدوة والإحسان.

ونحن نعيش هذه الأيام جمال خريف ظفار، بما تزدان به سهولها، وتجري به جداولها، وتفيض به عيونها، ثم تتسع الرحلات مع تحسن الأجواء في بقية المحافظات، فإن هذه الرسالة لا ترتبط بموسم أو مكان. فالعناية بالطبيعة والمرافق العامة أسلوب حياة نلتزم به أينما وجدنا في ربوع عُمان، شمالها وجنوبها، وفي كل وقت.

والأمر لا يحتاج إلى جهد كبير: نهيئ كيسًا للمخلفات، ونجمع ما استخدمناه، ونطفئ النار والفحم، ولا نترك الزجاج والمواد الحادة، ونشرك أطفالنا في تنظيف المكان قبل مغادرته. فالتحضر لا يظهر في المباني والطرق وحدها، وإنما في سلوك الإنسان حين لا يراقبه أحد. فلنغادر المكان كما أحببنا أن نجده، بل أجمل قليلًا، ولا نترك خلفنا إلا أثرًا طيبًا وذكرى جميلة؛ فحب الوطن ليس شعارًا نقوله، وإنما مسؤولية نمارسها، وعُمان تستحق منا جميعًا كل خير.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z