◄ البلوشي: يجب مواءمة مخرجات التعليم المهني مع متطلبات سوق العمل
◄ القطاع الخاص عليه دور في تطوير المنظومة وتوفير فرص التدريب المقرون بالتوظيف
◄ الجساسي: تحديث المناهج بشكل مستمر يضمن مواكبة التطورات السريعة
◄ العبري: ضعف المهارات الرقمية والتطبيقية لدى بعض الخريجين من أبرز التحديات
◄ الجابري: يجب تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية مسار التعليم المهني
◄ يوسف بن عوض: التعليم التقني شريان رئيسي يغذي الاقتصاد بالكوادر الوطنية
◄ الشماخية: الاهتمام بالتدريب العملي خطوة أساسية نحو مخرجات ذات كفاءة
◄ المنذري: مواءمة مخرجات التعليم مع سوق العمل باتت مسؤولية وطنية مشتركة
الرؤية- ناصر العبري
يُؤكد عددٌ من الخبراء والمختصين أهمية تطوير قطاع التعليم المهني لرفد سوق العمل بالكفاءات الوطنية القادرة على المنافسة محليا وإقليميا، وذلك من خلال تقليل الفجوات بين مسارات التعليم وما يحتاجه سوق العمل.
وأضافوا- في تصريحات لـ"الرؤية"- أن الشراكة بين المؤسسات الحكومية والخاصة ضرورية لتطوير المناهج وفقاً للتغيرات السريعة التي يشهدها العالم، إلى جانب توفير فرص تدريبية تساهم في صقل مهارات الشباب.
ويقول الدكتور علي بن حمدان بن محمد البلوشي المستشار الأكاديمي، إن التعليم المهني هو أحد أهم المرتكزات الرئيسة لتطوير الموارد البشرية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، لافتاً إلى أنَّ عمان حققت تقدما ملحوظا في تطوير هذا القطاع من خلال تحديث وتطوير البرامج التعليمية والتوسع في التخصصات المرتبطة باحتياجات سوق العمل.

ويشدد على ضرورة مواءمة مخرجات التعليم المهني مع متطلبات سوق العمل، إذ إن ذلك يتطلب مزيدا من التطوير، خاصة في تسريع تحديث وتجويد المناهج، وتعزيز المهارات الرقمية والمهارات الناعمة، والتوسع في التدريب العملي بما يكفل اكتساب الطلبة للخبرات التطبيقية قبل التخرج، في ظل التغيرات المتسارعة التي تشهدها مختلف قطاعات الاقتصاد، إلى جانب أهمية ترسيخ شراكة مؤسسية فاعلة بين مؤسسات التعليم والقطاعين الحكومي والخاص، تستند إلى دراسات دورية لاحتياجات سوق العمل، وتحديث المناهج لمواكبة المهارات المستقبلية، ودمج تطبيقات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في البرامج التعليمية، والتوسع في التعليم القائم على الكفايات وبرامج التدريب التعاوني والتدريب المقرون بالتشغيل بما يتوافق مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" في إعداد كوادر وطنية مؤهلة وقادرة على المنافسة.
ويضيف البلوشي أن القطاع الخاص شريك استراتيجي في منظومة التعليم المهني، من خلال المشاركة في تطوير المناهج، وتحديد المهارات المطلوبة، وتوفير فرص التدريب العملي المقرون بالتوظيف، ودعم بيئات الابتكار والتطبيق العملي داخل المؤسسات التعليمية. ومن شأن تعزيز هذه الشراكة أن يرفع كفاءة مخرجات التعليم المهني، ويعزز مواءمتها مع احتياجات سوق العمل، بما يسهم في إعداد كفاءات وطنية تمتلك المهارات الفنية والرقمية والمهنية اللازمة لدعم التنمية المستدامة وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
من جانبه يرى سالم بن حميد الجساسي أن قطاع التعليم المهني حقق خطوات ملموسة وتقدماً ملحوظاً، خاصة مع التوجهات الحكومية الأخيرة بدمج المسارات المهنية والتقنية ضمن التعليم ما بعد الأساسي، مما يعكس إدراكاً حقيقياً أهمية هذا القطاع، لافتاً إلى أنَّ هذا القطاع يحتاج إلى خطوات أخرى لتلبية احتياجات سوق العمل.

ويبيّن: "هناك فجوات ومن أبرزها النظرة المجتمعية والثقافية وسرعة الاستجابة للمتغيرات التكنولوجية، لافتاً إلى أنَّه يجب تطوير مهارات التواصل وحل المشكلات والعمل الجماعي لدى الملتحقين بهذا القطاع لتخريج كفاءات وطنية ذات قدرات قادرة على المنافسة في سوق العمل.
ويقترح الجساسي تحديث المناهج بشكل مستمر وفقاً للتطورات وربط مخرجات التعليم المهني بالحصول على رخص وشهادات احترافية دولية، وربط الكليات المهنية بحاضنات الأعمال ومراكز الابتكار تشجيع الخريجين على ريادة الأعمال وتأسيس مشاريعهم الخاصة بدلاً من انتظار الوظيفة، وإشراك القطاع الخاص بشكل مباشر في صياغة المناهج وتحديد المهارات المطلوبة، وتقديم منح دراسية للطلبة المتميزين في التخصصات المهنية التي تعاني من نقص في الكوادر الوطنية.
وفي السياق، يقول الدكتور ذياب بن سالم العبري: "التعليم المهني يمثل مسارًا أساسيًا بناء الكفاءات الوطنية ودعم التنويع الاقتصادي، ولم يعد التحدي مقتصرًا على توفير البرامج والتخصصات، بل في مدى قدرتها على إعداد خريج يمتلك المهارات الفعلية التي يحتاج إليها سوق العمل اليوم ومستقبلًا، وتتمثل أبرز الفجوات في بطء تحديث بعض المناهج، وضعف المهارات الرقمية والتطبيقية لدى بعض الخريجين، إلى جانب الحاجة إلى تعزيز مهارات التواصل والعمل الجماعي وحل المشكلات والانضباط المهني".

ويرى أنه من الضروري مراجعة البرامج بصورة دورية بمشاركة جهات التوظيف، وقياس رضا أصحاب العمل عن أداء الخريجين، وتحويل التدريب الميداني إلى مهام ومشروعات عملية قابلة للتقييم، ومتابعة نسب توظيف الخريجين واستمرارهم في العمل بوصفها مؤشرًا لجودة البرنامج، وإدماج المهارات الرقمية في جميع البرامج المهنية، وتوفير حوافز للمؤسسات التي تحقق نتائج ملموسة في تدريب العُمانيين وتوظيفهم.
بدوره، يؤكد الدكتور سالم بن حمود بن ناصر الجابري -خبير تربوي- أن التعليم المهني يتميز بأنه مرتبط بمتطلبات سوق العمل ويركز على الجانب التطبيقي وإكساب الطلبة المهارات والتقنيات التي تؤهلهم لسد فجوة في سوق العمل، مضيفا: "لا شك بأن التعليم المهني من المسارات التعليمية التي حققت نجاحا على المستوى العالمي ومن المؤمل أن يحقق نجاحا باهرا على المستوى الوطني، ولكن لا يعني ذلك بأن الأمر لا يخلو من تحديات والتي من أبرزها ضعف الوعي المجتمعي بالتعليم المهني ونظرة البعض الدونية لهذا المسار حيث يراه البعض بأنه خيار مخصص للطلبة ذوي التحصيل الدراسي المنخفض؛ وهذا يتطلب جهدا توعويا وتنويريا بأهمية هذا المسار وأهميته للاقتصاد الوطني".

ويوضح: "لجعل مخرجات التعليم المهني متوائمة مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات القطاعات الاقتصادية فلا بد من إكساب طلبة التعليم المهني المهارات القائمة على العمل الجماعي والتفكير النقدي وحل المشكلات والتكيف الرقمي والمهارات التقنية المختلفة ليكونوا قادرين على التكيف مع المستجدات في مجال سوق العمل وريادة الأعمال، وكذلك لابد من تنمية مهارات التعليم المستمر والتدريب لمواكبة المهارات الحديثة وفق متطلبات السوق المتغيرة".
ويؤكد الدكتور يوسف بن عوض البلوشي أن التعليم المهني والتقني في سلطنة عُمان لم يعد مساراً بديلًا لمن لا يريد مواصلة مشواره الدراسي التقليدي، بل يخطط له ليكون شرياناً رئيسياً يُغذي الاقتصاد الوطني بالكوادر الوطنية الشابة. إلا أنه يرى أن الفجوة الأبرز اليوم في الفارق الزمني بين المناهج الدراسية، وسرعة تطور السوق، حيث تتطور القطاعات الواعدة كاللوجستيات والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي بسرعة تتجاوز الدورة التقليدية لتحديث المناهج، مما يخلق تباعداً ينعكس على جاهزية الخريج في يومه الأول بالعمل ويستدعي معالجة سريعة وفعالة.

ويذكر: "لتحقيق التنافسية وإحداث المواءمة المطلوبة، تتأكد الحاجة إلى اعتماد التحديث الديناميكي المناهج بالتركيز على مهارات المستقبل التحليل الرقمي والأتمتة، إلى جانب منح المؤسسات المهنية مرونة أكبر لتقديم برامج قصيرة معتمدة وفق حاجة السوق الفورية، وتفعيل المنصات الرقمية الذكية لتوقّع احتياجات القطاعات الاقتصادية المباشرة قبل إطلاق المشاريع، كما لا يمكن للتعليم المهني أن ينفصل عن بيئة العمل الواقعية، حيث يتطلب المستقبل شراكة كاملة مع القطاع الخاص تتجاوز حدود نسبة "التعمين"، وتتجسد في مشاركة أصحاب الأعمال في الإسهام بأفكارهم لصياغة المناهج وتحديد المهارات بطريقة تشاركية تلبي الحاجات الواقعية، وفتح المشاريع والشركات أمام الطلاب للتدريب الميداني المباشر، والتوسع في برامج التدريب المقرون بالتوظيف لضمان استيعاب الكوادر المتميزة فور تخرجها."
وتشير جوخة بنت علي الشماخية عضو المجلس البلدي بمحافظة الظاهرة ورئيسة لجنة الشؤون الاجتماعية بالمجلس، إلى ضرورة الاهتمام بتدريب الموارد البشرية القيادية والإشراقية في الكليات المهنية، وإكسابهم الطرق والأساليب الحديثة في التعليم المهني، والتركيز في تعليم الطلبة على التدريب المباشر والممارسة التطبيقية أكثر من التركيز على الجانب النظري، إلى جانب أهمية وإكساب الطلبة المهارات اللازمة، خاصة في القطاعات الصناعية واللوجستية والبرمجيات والطاقة المتجددة.

وترى أنه توجد فجوة بين بعض التخصصات المطروحة والاحتياجات المُتغيرة لسوق العمل، خاصة في القطاعات الرقمية والتقنيات الناشئة، وأيضاً تفاوت التدريب العملي بين المؤسسات التعليمية وجهات التدريب، وأيضاً تحديث المناهج بشكل أسرع لتتناسب مع التسارع التقني الهائل، وتعزيز الشراكة بصورة أكبر مع القطاع الخاص، ولاسيما في مجال توفير برامج تدريب مقرونة بالتشغيل لرفع نسبة التعمين، ومراجعة وتطوير مسارات وتخصصات التعليم والتدريب المهني وفق المعايير الوطنية والإقليمية والدولية، وإشراك أرباب العمل ذوي الكفاءة في تصميم الخطط الدراسية وتقييم كفاءة البرامج التدريبية في مؤسسات التعليم المهني.
ويُؤكد الدكتور فهد بن سيف المنذري أن النجاح في مسارات التعليم المهني والتطبيقي لايزال نسبيًا، لأن سوق العمل يتغير بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات التعليمية على تحديث برامجها؛ إذ إن ما يحتاجه السوق اليوم قد يختلف بعد سنوات قليلة، خاصة في ظل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والأتمتة.
ويضيف: "من أبرز الفجوات التي ما زالت تحتاج إلى مُعالجة الحاجة إلى تحديث المناهج بصورة أكثر سرعة ومرونة بما يُواكب التطورات التقنية، تعزيز التدريب العملي داخل بيئات العمل الحقيقية، بحيث يكتسب الطالب الخبرة قبل التخرج، وتنمية المهارات الناعمة، مثل الاتصال، والعمل الجماعي، وإدارة الوقت، وحل المشكلات لأن أصحاب العمل باتوا يعدونها جزءًا أساسيًا من الكفاءة المهنية، وتوسيع الإرشاد المهني في المدارس؛ حتى يختار الطالب تخصصه بناءً على ميوله واحتياجات السوق، لا بناءً على التصورات الاجتماعية، ومن هنا يمكن القول إننا قطعنا خطوات مهمة في هذا المجال، لكن الوصول إلى مواءمة كاملة بين التعليم وسوق العمل يتطلب تطويرًا مستمرًا، لأن السوق نفسه يتطور باستمرار".

ويتابع المنذري قائلا: "مواءمة التعليم مع سوق العمل لم تعد مسؤولية المؤسسات التعليمية وحدها، وإنما أصبحت مسؤولية وطنية مشتركة تشترك فيها الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية، وأرى أنَّ هناك مجموعة من الإجراءات المهمة لتحقيق هذه المواءمة، من أبرزها: أولًا: بناء شراكات استراتيجية دائمة بين مؤسسات التعليم المهني والقطاع الخاص، بحيث يُشارك أصحاب الأعمال في تحديد المهارات المطلوبة، وتطوير البرامج الدراسية، وتقييم مخرجاتها. ثانيًا: تحديث المناهج بصورة دورية، وعدم الاكتفاء بالمراجعات التقليدية كل عدة سنوات، لأنَّ التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني وإنترنت الأشياء، أصبحت تدخل في مُعظم المهن. ثالثًا: التوسع في التدريب التعاوني والتدريب أثناء الدراسة، بحيث يقضي الطالب جزءًا من برنامجه داخل مواقع العمل الحقيقية، فيكتسب الخبرة العملية قبل التخرج. رابعًا: تعزيز المهارات المستقبلية، فلا يكفي أن يتقن الطالب الجانب الفني فقط، بل ينبغي أن يمتلك مهارات التفكير النقدي، والإبداع، والابتكار، وريادة الأعمال، واللغة الإنجليزية، والمهارات الرقمية، والتعلم المستمر. كما أنه من المهم تطوير أنظمة قياس الأداء، بحيث لا يكون نجاح المؤسسة بعدد الخريجين فقط، وإنما بنسبة توظيفهم، واستمرارهم في وظائفهم، ومدى رضا أصحاب العمل عن كفاءتهم. وهذه الإجراءات تتفق مع متطلبات رؤية عُمان 2040 التي تؤكد بناء منظومة تعليم مرنة، مرتبطة بالاقتصاد الوطني، وقادرة على إعداد كفاءات تنافسية".
ويقول المنذري: "يبدأ هذا الدور بالمشاركة في تصميم المناهج الدراسية، لأن أصحاب العمل هم الأقدر على تحديد المهارات التي يحتاجها السوق، وبالتالي فإن إشراكهم في تطوير البرامج يضمن أن يتخرج الطالب وهو يمتلك المهارات المطلوبة بالفعل، كما ينبغي للقطاع الخاص أن يوسع فرص التدريب العملي، وأن يوفر بيئات تدريب حقيقية، لأن المهنة لا تُتقن داخل القاعات الدراسية وحدها، بل تُكتسب بالممارسة اليومية. ومن المهم أيضًا أن يسهم القطاع الخاص في تقييم الطلبة أثناء التدريب، وفي اقتراح تطوير البرامج، بل وفي دعم تجهيز المختبرات والورش بالأجهزة والتقنيات المستخدمة في سوق العمل، حتى لا يواجه الخريج فجوة بين ما تعلمه وما يجده في بيئة العمل، ويستطيع القطاع الخاص كذلك أن يقدم منحًا تدريبية، وبرامج للتلمذة المهنية، وحاضنات للمشروعات الصغيرة، وأن يدعم ثقافة ريادة الأعمال حتى لا يكون الخريج باحثًا عن وظيفة فقط، وإنما قادرًا أيضًا على إنشاء مشروعه الخاص، ولا يقل أهمية عن ذلك توفير فرص التوظيف المبنية على الكفاءة، مع تقديم برامج تأهيل للخريجين الجدد داخل المؤسسات، بما يساعدهم على الانتقال السلس من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل، وفي تقديري، فإن نجاح التعليم المهني يقاس بمدى قوة العلاقة بين المدرسة أو الكلية وسوق العمل، فكلما كانت هذه العلاقة أكثر تكاملًا، كانت المخرجات أكثر جودة، وارتفعت إنتاجية الكوادر الوطنية، وتعززت تنافسية الاقتصاد العُماني، وهو ما تسعى إليه رؤية عُمان 2040 في بناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة، يقوده إنسان مؤهل يمتلك المهارة والقدرة على الابتكار والتكيف مع متغيرات المستقبل".
