الشيخ القاضي خالد بن مهنا البطاشي قارئًا وناقدًا

 

 

سلمى بنت سيف البطاشي

أثناء  تقليب بعض الأوراق القديمة التي تخص سيدي الوالد الشيخ القاضي المؤرخ سيف بن حمود البطاشي -رحمه الله- استوقفتني أبيات قِيلت في الفضل البرمكي، والتي وصلت إلينا منفردة عن أصولها، ولا يظهر من حال الورقة أنها أُعِدَّت مستقلة لهذا الغرض، بل يغلب على الظن أنها كانت في الأصل ضمن بياضِ كتابٍ أو إحدى صفحاته الخالية، ثم انفصلت عنه بمرور الزمن، حتى وصلت إلينا على هيئتها الحالية. وقد كان الذي أثبتها هو الشيخ خالد بن مهنا البطاشي، ذلك الشيخ القاضي والفقيه والشاعر الذي جمع بين المعرفة الشرعية والذائقة الأدبية، ولم يكن ما لفت انتباهي الأبيات وحدها، بل التعليق الذي أعقبها، إذ كتب بعد الفراغ من تدوينها عبارة قصيرة لكنها ذات دلالة كبيرة: "هذا هو الشعر هذا هو الشعر هذا هو الشعر"، ولعل قيمة هذه العبارة تنبع من مكانة قائلها؛ فهي ليست كلمة صدرت من قاريء عابر، وإنما من رجل عرف الشعر قولًا وتذوقًا، لذلك تبدو هذه الكلمات بمثابة شهادة أدبية تكشف ما تركته الأبيات في نفسه من أثر، وما رآه فيها من جودة المعنى أو إحكام الصياغة أو قوة التصوير. وقد جرت عادة العلماء والأدباء أن يُقَيّدوا في أوراقهم ودفاترهم وكتبهم وكتب غيرهم المُستعارة وغيرها ما يستحسنونه من النصوص، غير أن الشيخ خالد البطاشيّ تجاوز مجرد النقل إلى إبداء رأيه فيها، فخلّد لنا مع الأبيات موقفه منها أيضًا. ومن هنا فإن أهمية هذا التقييد لا تقتصر على حفظ النص الشعري، بل تمتد إلى حفظ ذائقة أدبية لصاحبها، واطلاعنا على المعايير التي كان ينظر من خلالها إلى الشعر الجيد، وبوصفه شهادة أدبية صادرة عن قاضِ وفقيه وشاعر كانت له عناية بالشعر وذائقة أدبية رفيعة. وتتضمن هذه الورقة الأبيات الآتية التي استحقت عند الشيخ ذلك الثناء:[رأى الله للفضل بن يحيى فضيلةً/ ففضله والله بالناس أعلم- له يوم بؤس فيه للناس أبوس/ ويوم نعيم فيه للناس أنعم فيمطر يوم الجود من كفه الغنى/ ويمطر يوم البؤس من كفه الدم- ولو أن يوم الجود خلى يمينَه/على الناس لم يصبح على الأرض معدم- ولو أن يوم البؤس خلى شماله/ على الناس لم يصبح على الأرض مجرم] هذا هو الشعر، هذا هو الشعر، هذا هو الشعر، كتبه خالد بن مهنا بن خنجر البطاشي والي الإمام على (دما والطائيين) بيده 28 ج2 سنة 1371 حرَّره بِـ(دما).

b952ede4-5122-42c5-b3f5-759e00aca0e7.jpg

 

وتدفعنا هذه الملاحظة الموجزة إلى التساؤل: ما الذي جعل الشيخ يخص هذه الأبيات دون غيرها بهذا الثناء؟ أكان ذلك لما اشتملت عليه من حكمة، أم لما حملته من صور شعرية، أم لما اتسمت به من جزالة في اللفظ وقوة في السبك؟ أيًّا ما كان الجواب، فإن تكراره لعبارة: (هذا هو الشعر) لثلاث مرات يكشف عن إعجاب واضح، ويمنح هذه الأبيات مكانة خاصة بين ما مر عليه من نصوص.

ويعد الفضل بن يحيى البرمكي من أبرز رجال الدولة العباسية في عهد الخليفة هارون الرشيد، ووزيره، وكانا قد تشاركا الرضاعة، واشتهر بالجود والسخاء. وتذكرُ كتب التأريخ والأدب نوادر عديدة في كرمه الفيّاض مع الشعراء وعابري السبيل؛ إلا أن هذه الحال تغيرت إثر غضب هارون الرشيد عليهم، وانتهى بهم المطاف في الحادثة التأريخية المعروفة بـ "نكبة البرامكة" لأسباب تباينت حولها الروايات.

7edffda0-1dcd-476d-9c32-a9e22142da57.jpg

ومن بين ما وقفت عليه أيضًا تعليق دوّنه -رحمه الله- على نسخة من كتاب "جزيرة العرب في القرن العشرين" لمؤلفه حافظ وهبة (دبلوماسي مصري/ سعودي ت: 1967م ويضم هذا الكتاب أهم المعلومات في جزيرة العرب، ويعد من المصادر التي رصدت جانبًا من أحوال الجزيرة العربية وتحولاتها السياسية والاجتماعية في مرحلة مفصليه من تأريخها)، ولم يكن تعليق اليخ خالد البطاشيّ عليها تصحيحًا أو استدراكًا، بل كان ثناءً على الكتاب وإشادة بمادته، الأمر الذي يستحق التوقف عنده، ولا سيما أن كاتبه عُرِف بسعة اطلاعه وكثرة قراءاته. ولعل خير شاهد على مكانة هذا الكتاب عند الشيخ خالد ما دوّنه بخطه على بياض صفحته الأولى إذ كتب بخط يده: "إن كتابًا كهذا يستحق التقدير والإعجاب، وأنه من صوغ العزة والكرامات والفخار والمجد العربي المناضل.. وأن رجلًا كابن سعود الذي بنا مُلْكًا مترامي الأطراف.. في أحضانه ممالك شديدة القوى عظيمة الشأن كملك الأشراف في الحجاز وبن رشيد في القصيم. ثم علّق ببيت للشاعر القطامي أشهر شعراء العصر الأموي. يقول فيه:[ومن تكن الحضارة أعجبته/فأي أناس بادية ترانا].

ويكشف لنا تعليق الشيخ خالد البطاشيّ أنّ إعجابه بالكتاب لم يكن نابغًا من أسلوبه أو مادته العلمية فحسب، بل من الموضوع  الذي تناوله أيضًا. ووصفه بأنه كتاب يستحق التقدير والاعجاب، ثم مضى في بيان سبب ذلك فرأى أنه يتحدث عن مرحلة من العزة والكرامة والفخار والمجد العربي، وهي عبارات تعكس نظرته إلى الأحداث والشخصيات التي عرضها المؤلف. كما يلاحظ أن الشيخ خالد البطاشيّ استحضر في تعليقه عددًا من الشخصيات السياسية التي كان لها حضور بارز في تأريخ الجزيرة العربية، فذكر لنا: (ابن سعود، وأشراف الحجاز، وآل رشيد)، وعدّدَ ما تحقق على أيديهم من الوقائع والأحداث الجديرة بالتسجيل والتأمّل، وأنه كان يسجل انطباع قاريء وجد في الكتاب صورة لمرحلة رآها حافلة بالأحداث والتحولات الكبرى. وتكشف ألفاظ البطاشيّ كذلك عن نزعة إعجاب واضحة بما مثّلته تلك الحقبة في نظره من معاني القوة والمكانة، وهو ما يفسر استخدامه لألفاظ مثل "العزة" و "الفخار" و"المجد العربي" وهذه التعابير لا تخبرنا عن الكتاب وحده، بل تكشف الطريقة التي تلقى بها الشيخ مادته، وعن رؤيته لأهمية الأحداث التي تناولها المؤلف. وفي الختام: وهكذا لم تحفظ لنا هذه التدوينات نصوصًا وتعليقات فحسب، بل حفظت لنا أيضًا جانبًا من فكر الشيخ خالد -رحمه الله- وذائقته الأدبية والفكرية، وملامح شخصيته العلمية والأدبية، ونظرته إلى ما كان يطالعه وبقيت شاهدًا على تفاعله العميق مع ما كان يقرأه.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z