مرتضى بن محمد جواد الجمالاني
لا شك أن استخدام الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي يُعد نقلة نوعية في رصد الفيضانات والإنذار المبكر وإدارة الأزمات، إلا أن هذه التقنيات تمثل وسائل لإدارة النتائج، وليست معالجةً للأسباب الجذرية للمخاطر.
فالمخاطر تبدأ عند السماح بالتوسع العمراني في مصبات الأودية، والمناطق الساحلية المعرضة للفيضانات، أو إقامة المشاريع دون إجراء الدراسات الجيوتقنية للتربة، ودون الالتزام الصارم بكودات البناء والتصميم الهندسي المقاوم للمخاطر الطبيعية.
ومن هذا المنطلق، نُثمن الجهود التي تبذلها وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه في تنفيذ مشاريع السدود والحماية من أخطار الأودية، والتي أسهمت في الحد من آثار السيول وحماية الأرواح والممتلكات.
كما نوصي وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، بالتعاون مع الجمعية العقارية والجهات المختصة، لإعداد نظام وطني لتصنيف المناطق حسب مستوى المخاطر (Risk-Based Zoning)، يعتمد على خرائط الأودية، والمناطق الساحلية، وطبيعة التربة، والارتفاعات، وسجل الكوارث الطبيعية، وأن يكون هذا التصنيف جزءًا من إجراءات منح التراخيص والتطوير العقاري.
إن تطبيق هذا النظام سيحقق العديد من الفوائد، من أهمها:
* توجيه التنمية العمرانية إلى المواقع الأكثر أمانًا.
* رفع جودة التخطيط والاستثمار العقاري.
* دعم الالتزام بكودات البناء المناسبة لكل منطقة.
* تمكين شركات التأمين من إجراء تقييم فني دقيق للأخطار (Risk Assessment) وتسعير عادل للأقساط (Risk-Based Pricing).
* تشجيع إجراءات الحد من المخاطر (Risk Mitigation) قبل وقوع الكوارث، بدلاً من الاكتفاء بالتعويض بعدها.
* تقليل الخسائر البشرية والاقتصادية والتأمينية، وتعزيز استدامة قطاع التأمين والاقتصاد الوطني.
إن إدارة مخاطر الكوارث مسؤولية مشتركة، تبدأ بالتخطيط السليم، ثم التشريعات، ثم التنفيذ والرقابة، وأخيرًا استخدام التكنولوجيا كوسيلة داعمة لاتخاذ القرار، لا كبديل عن معالجة الأسباب.
فالاستثمار في الوقاية أقل تكلفة بكثير من تحمل تكلفة التعويض وإعادة الإعمار، والتخطيط المبني على المخاطر هو الأساس لتنمية عمرانية واقتصادية مستدامة.
