"هوسُ الظُّهور.. وَبَاءُ العَصْر"!

 

سالم البادي (أبو معن)

إلى كل مسؤول غيور في هذا الوطن، إلى الآباء والأمهات، إلى العقلاء في مجتمعنا المُترابط..

هذا ليس مجرد مقال؛ بل هي صرخة نذير ونداء عاجل يُرفع إلى أصحاب الشأن والقرار ليُعتبر الآخرون.

لقد بلغ السيل الزُّبى، وتجاوزت حمَّى الظهور الافتراضي كل الخطوط الحمراء، لتتحول من مجرد "هوس عابر" إلى وباء اجتماعي شرس ينهش أركان الهوية والمبادئ.

إنَّ ما نشهده اليوم في الفضاء الرقمي العُماني من سباق مسعور وتعرٍّ نفسي واجتماعي كامل من أجل "اللايكات" والشهرة الزائفة، يتطلب وقفة مكاشفة صارمة تضرب بيد من حديد على أيدي العابثين، ليكونوا عبرةً لغيرهم، وقبل أن يستفحل الوباء فيقتل ما تبقى من حياء! ولله در القائل في مطلع قصيدته:

وإِذا أُصِـيـبَ الـقَـوْمُ فِي أَخْلَاقِهِمْ ... فَـأَقِـمْ عَلَيْهِمْ مَأْتَمًا وَعَوِيلَا

انسلاخ عن الفطرة وعورات مستباحة في الأفراح والتعازي

فُطر المجتمع العُماني الأصيل على قيم الرزانة، والستر، والخصوصية العالية، والترفع عن القيل والقال، ممتثلاً بالحكمة العربية الخالدة: "مَنْ لَزِمَ الحَيَاءَ، اسْتَوْجَبَ الثَّنَاءَ".

أما اليوم، فنرى من يبيع هذه الخصوصية في "سوق النخاسة الرقمي" تحت مسمى "صناعة المحتوى".

ولم تسلم أقدس لحظاتنا الإنسانية والاجتماعية من هذه المقصلة؛ إذ اقتحم لصوص "التريند" بيوت العزاء-التي كانت محرابًا للخشوع والاعتبار-ليحولوها إلى مسرح للعدسات ومقاطع "الفلوق" واستعراض الحزن المصطنع، في هبوط مروع للمروءة.

وفي الأفراح، جُرف السمت العُماني تحت أقدام البهرجة الزائفة والتكلف الأعمى لمجرد الاستعراض (الشو)، مما خلق نوعًا من "النفاق الاجتماعي"؛ حيث تُصنع السعادة أمام الكاميرا، بينما يسود الجفاف والقطيعة خلفها داخل الأسرة الواحدة، متناسين قول الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:

{يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (غافر: 19).

المتاجرون بـ "براءة الأطفال" وأموال الخير، إن واحدة من أبشع تجليات هذا الانحدار الأخلاقي هي الاستغلال الممنهج للأطفال من قِبل بعض الآباء والأمهات.

يُحرم الطفل من طفولته الطبيعية، ويُجبر على أداء مشاهد وتمثيل أدوار لا تناسب عمره، ليصبح مجرد دمية لجلب المتابعين وتدفق الأموال، في انتهاك صارخ لأمانة التربية، وضربٍ بعرض الحائط للتوجيه النبوي الشريف: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.. وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (متفق عليه).

ولم يقف الجشع عند هذا الحد، بل امتد ليشمل العبادات وأعمال البر؛ فتحول الإنفاق والصدقة-اللذان أُمرنا إسلاميًا بإخفائهما- إلى مواد تصويرية تُستعرض فيها وجوه الفقراء لإظهار كرم "المؤثر" الزائف، وهو إذلال صريح لكرامة المحتاج، ونفاق تقشعر منه النفوس العُمانية العزيزة الأبية التي ترفض اتْبَاعَ الصَّدَقَاتِ بِالْمَنِّ وَالأَذَى، وتتذكر دائماً الوعيد الرباني:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ} (البقرة: 264).

تجّار المآسي والغش التجاري ومستنقع "غسيل الأموال"

وعندما يعمي المال البصائر، يلهث هؤلاء خلف سراب الشهرة السريعة بالنبش في جراح المجتمع، وتضخيم الخلافات الأسرية والزوجية الحساسة، وتحويل الفضائح إلى مادة دسمة تقتات على الفضول القاتل للمتابعين. إنهم يتسلقون على آلام الناس، متناسين ميزان الإسلام الذي جعل "الستر" من أعظم العبادات؛ حيث يقول النبي ﷺ: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (متفق عليه).  ولقد حذر العقلاء قديماً من مغبة الجري وراء السمعة الزائفة والرياء فقالوا: "طَالِبُ الشُّهْرَةِ مَذْمُومٌ، وَإِنْ نَالَ الأَمَانِي بَاتَ مَحْرُومًا".

وكم من مؤثر انتهى به المطاف خلف القضبان، يلاحقه العار والتاريخ المخزي في مجتمع لا يرحم من يفرط في أصله، مصداقاً للبيت الشهير:

لَا خَيْرَ فِي وُدِّ امْرِئٍ مُتَلَوِّنٍ ... إِذَا الرِّيحُ مَالَتْ مَالَ حَيْثُ تَمِيلُو

الأخطر من ذلك هو تحول الفضاء الرقمي إلى مرتع للغش والترويج لشركات وهمية، يبيع فيها المشاهير ذممهم مقابل حفنة من الريالات.

وما صدور الحكم القضائي النهائي بمصادرة أموال وإغلاق تطبيق (هاي شوبينغ) التابع لشركة "نجم القطب الشمالي" بتهم غسيل الأموال والاحتيال، إلا شاهد حي ودليل قاطع على أنَّ هذا العالم الافتراضي بات غطاءً لكوارث وجرائم حقيقية تضرب الأمن الاقتصادي للوطن .

المسؤولية المشتركة.. أين الحل؟

إن مواجهة هذا الانحدار القيمي تتطلب توزيعًا واضحًا للمسؤوليات والأدوار:

دور الأسرة (خط الدفاع الأول):

يجب على الآباء إحياء مفهوم "الستر والتعفف" داخل المنزل، والتوقف فورًا عن ممارسة دور المتفرج أو الشريك في تمييع هوية الأبناء من أجل حفنة من الريالات الافتراضية.

دور المجتمع (الحاضنة والممول الخفي):

إن كل "ضغط زر" بمتابعة أو إعجاب لمحتوى هابط هو تمويل وتشجيع مباشر له. وسلاحنا الأقوى هو "المقاطعة الاجتماعية الشاملة"؛  يجب أن يلفظ المجتمع هؤلاء ويشعرهم بالنبذ، وألا نمنحهم صدر المجالس في واقعنا.

دور الحكومة والجهات القانونية (سيف الحسم والردع):

نثمن عاليًا الجهود والمواقف الصارمة للادعاء العام والجهات الرقابية في سلطنة عُمان. ولكننا نطالب بـ الضرب بيد من حديد وبشكل علني ومشهور على كل من ينتهك خصوصية الآخرين، أو يستغل الأطفال اقتصاديًا، أو يروّج لشركات مشبوهة، وتشديد الاشتراطات لتراخيص إعلانات المشاهير؛ ليكون كل متجاوز عبرةً لمن يعتبر.

ختامًا: لنكن سفراء السمت العماني فإنَّ العالم الافتراضي اليوم لم يعد مغلقاً، بل أصبح متاحاً ومكشوفاً للعالم أجمع؛ فما يحدث في زوايا بلادنا يراه ويسمعه الآخر في أقصى بقاع الأرض في ذات اللحظة. وعليه، يجب ألا ننجرف ونصبح كالبقية ننشر غسيلنا ومحتوانا السيئ والسلبي، وألا نتأثر بما يسيء إلينا كمجتمع محافظ يزن الأمور بميزان الأخلاق والقيم.

فلنكن كما كان العُمانيون الأولون منذ أن فُطرنا؛ أهل سماحة، ومبادئ، وثوابت وطنية راسخة، نصدر الأفضل والأحسن للعالم الآخر، ونستر أنفسنا بوقارنا المعهود.

واجبنا اليوم هو أن نكون خير سفراء لوطننا بالكلمة الطيبة والمساهمات الرقمية القيمة، وأن نكون أداة بناء للقيم لا هدم، ليظل يُضرب بنا المثل في رقي الأخلاق كما عهدنا الآخرون دائماً.

ويكفينا في هذا المقام شرفاً، وعزةً، وكرامةً، مدح رسولنا الكريم وسيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام، وثناؤه الخالد على أهل عُمان حين قال: «لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ، مَا سَبُّوكَ وَلَا ضَرَبُوكَ» (رواه مسلم).  فحافظوا على هذا الإرث العظيم، وصونوا ألسنتكم واقلامكم وحساباتكم، ولنعلم جميعاً أن العزة الحقيقية ليست في عدد المتابعين، بل في موافقة قوله جل وعلا:

{مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} (فاطر: 10).

الأكثر قراءة

z