زيف التموضع العقلي ونقيضه

 

 

ماجد بن علي الهادي

إن نشدت السكون لعقلك فلتؤمن بحكمة السكون.

أن تعيش معطوبَ التمعن والتأمل، يعني قبولك الرضوخ للصدمات والضغوط. أن تسمح للرياح باقتلاع جذور تساؤلاتك في الماهيات، يعني استسلامك للضعف النفسي والروحي والعقلي. خُلقت للمواجهة لا للاستسلام، ووُجدت للمنافسة لا للانهزام. متطلبات حياتية تجرك من أذني خنوعك، ومرتكزات معيشية تلوي ذراعي غفلتك ويقظتك على السواء، لتكون في المواجهة رغمًا عنك. فلتعش معطوبًا إن كان الخلل يصلح النفس والروح. ولتكن في مواجهة مدفع الأحداث إن كانت الحالة ستحملك وتخضك في بؤرة السحب الميتة، تلك التي لا ولن تمطر أبدًا.

لِمَ الخوف من مواجهة فشلك؟! ولِمَ الترنح وأنت من اخترت طريقًا قد اشمأزت منه الكثير من النفوس والعقول؟ أن تعيش مصدومًا خير لك من قوقعة كئيبة مردها الانطواء النفسي. أن تصارع أوهامك وخيالك المتخم بالتخاريف خير لك من أن تقرأ كتابًا يحرضك على الأفكار المسمومة.

في الكثير من الأحيان نكون في لجة الحيرة نعيش، وفي معمعة القلق نستكين، وفي قولبة الخوف مكلومين، بسبب صعوبة الاختيار بين أمرين أحلاهما أمرّ من الآخر، فنصير معلقين بين سماء اتخاذ القرار وبين أرض رفضه. فتقوم الهواجس الفكرية بمهمة اتخاذ القرار بدلًا عنا، وعليه تكتظ وتكتنز الأفكار، التي سيكون مصدرها الهواجس، باللعب على أعصابنا، وبالتلذذ بالتنكيل بمشاعرنا، وبالاستمراء بخنق أحاسيسنا. وما سيحدث بعدها أن ما كنا في حيرة وقلق منه سيفرض علينا وسيطوقنا، مع أننا قد فررنا منه!!

هي هكذا حياة العقل المزخرف تفكيره بكل ما هو مستفز. يحسب الطاقة الفكرية متمحورة بمنهج فكري محدد، ويظن شعلة التفكير لا تتقد إلا من هامة فكرية معينة. يعيش أجواء لا تتناسب مع تفكيره، ويحاول التأقلم مع حيثيات فُصلت على مقاس تفكير غيره.

أنت من تسببت بالتعطيب والتعطيل لعقلك عندما وضعت عقلك في قالب عقل غيرك، وأنت من حاولت تفصيل أفكار لتتواءم مع إطار أفكار لا تملك من منظومتها شيئًا. قبلت بالتعطيل دون أن تقصده، وقبلت بالتعطيل دون أن تنشده، وقبلت بالتقليد وكنت تسخر منه. فلتعش هذا التعطيل، وفتش فيه عن الحلقة المفقودة بين التفكير الحقيقي وظلاله، وبين زيف التموضع العقلي ونقيضه.

ستجد بأن تلك الحلقة المفقودة من التفكير مصدرها نقص كنت تحسبه كمالًا يومًا ما.

يُعرَّف التموضع العقلي أو الذهني (Mindset / Mental Positioning) بأنه الطريقة التي تنظر بها إلى العالم من حولك. هو، ببساطة، "النظارة" التي ترتديها لفهم الأحداث. فإذا كنت تؤمن أنك تستطيع التعلم من أخطائك، فهذا تموضع مرن للنمو. أما إذا اعتقدت أن مهارتك ثابتة ولا تتغير، فهذا تموضع عقلي جامد.

فهل تأكدت من النظارة الذهنية التي ترتديها لترى العالم من حولك فكريًا وذهنيًا ونفسيًا؟ هل تأكدت من مقاسات هذه النظارة؟ وهل هي مقاسات بصرك الفكري والعقلي؟ أم إنك ارتديتها ليراك الآخر ويعجب بإطارها الجذاب شكليًا؟

لتعي المفهوم، لا بد عليك من التعامل وفق معادلته، وأن تجيب عن أسئلة منهجه بالطريقة التي تتواكب مع نمطه. إيمانك بأنك غير كامل يعد قفزة كبيرة لفكرك، قفزة تنقلك من ضفة مبتلة بالنقص، إلى ضفة نظيفة من القناعة. هذه القفزة، بتلقائية مفهومها، ستؤطر تالي السلوكيات (مهارات، نضج، تعامل، تقدير)، وغيرها من الإشراقات التقديرية للنفس.

سينمو نبض عقلك وفكرك في حضن هذا القالب الحكيم، وستترعرع مفاهيمك حسب نمو ثمرة النضج الفكري المتماسك. وباكتشافك مصدر العطب والتعطيل الفكري، ستستطيع إصلاحه، والوقوف على مساره الملغم.

ستدعمك الظروف إن وثقت في قدراتك أولًا، وآمنت بالتفاؤل ثانيًا، وأحسنت الظن في الآخرين ثالثًا. نكون نحن من أردنا أن نكونه، ويكون الآخر عاكسًا لما نكونه.

فلسفتنا في الحياة لنعيشها بسلام داخلي، أن نتصالح مع أنفسنا بداية كل بدء، ثم سينتقل هذا التسامح بتلقائيته الحكيمة إلى باقي المؤثرات في الحياة، من جماد وحي. سيمفونية الحياة السوية معزوفة عقلية ونفسية وفكرية، سيشارك في عزفها الجميع إن واكبت محاكاة معزوفات الأرواح البريئة الطاهرة العفيفة، المنبثقة من جمال تغاريد الطيور، وضحكات الأطفال بعفويتها الرائعة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z