ثلاث شخصيات صغيرة وجدت عالمها الخاص بين المستقبل والمياه والكائنات البحرية

دبي بعيون الأطفال.. "خبير الوناسة" يحوّل الرحلة العائلية إلى مغامرة لا تُنسى

دبي – أحمد الجهوري

في معظم الرحلات العائلية، يتولى الآباء رسم البرنامج، واختيار الفندق، وتحديد الأماكن التي ستزورها الأسرة، بينما يكتفي الأطفال بالسؤال المعتاد: «إلى أين سنذهب الآن؟». لكن رحلتنا إلى دبي بدت مختلفة منذ بدايتها؛ فهذه المرة لم يكن الصغار مجرد مرافقين، بل كانوا في قلب التجربة، يكتشفون المدينة بطريقتهم، ويمنحون كل محطة معناها الخاص وفق اهتماماتهم وشغفهم.

كانت الرحلة، التي جاءت بدعوة من دائرة دبي للاقتصاد والسياحة، فرصة لخوض تجربة «خبير الوناسة»، المبادرة التي أُطلقت ضمن برنامج «صيف في دبي»، واضعة الأطفال في قلب المغامرة، من خلال مجموعة من الوجهات والتجارب التي تجمع بين الترفيه والمعرفة والتكنولوجيا والحياة البحرية والألعاب المائية.

رافقتني في الرحلة التي استمرت ثلاث ليالٍ أسرتي وأطفالي: تيمور، البالغ من العمر 11 عاماً، وصوفيا، ذات الأعوام التسعة، وماريا بعمر ستة أعوام. وبينما كنا نغادر المطار باتجاه الفندق، كانت الأسئلة تسبقنا إلى كل مكان: ماذا سنشاهد؟ وأين سنذهب أولاً؟ وهل ستكون الرحلة كما تخيلوها؟

كانت محطتنا الأولى أتلانتس النخلة، ذلك المنتجع الذي لا يبدو مجرد فندق للإقامة، بل عالماً متكاملاً قائماً بذاته، تتداخل فيه الفخامة مع الترفيه، وتحيط به أجواء البحر من كل جانب. ومنذ الدخول إلى البهو الواسع، بدت دهشة الأطفال واضحة أمام التصاميم المستوحاة من أعماق المحيط والمجسمات الضخمة والتفاصيل التي تجعل المكان بداية مثالية لرحلة يقودها الفضول.

6799f1e5-0f58-4d41-b3a2-83140ad80a0e.jpg
 

لكن الأطفال، رغم انبهارهم بالفندق، لم يكونوا مستعدين لإضاعة الكثير من الوقت في الغرف أو الممرات؛ فقد كان شغفهم بالبرنامج يدفعهم باستمرار إلى السؤال عن المحطة التالية، وكأن كل دقيقة تمرّ بعيداً عن المغامرة تبدو لهم أطول مما ينبغي.

ومن عالم البحر في أتلانتس، انتقلنا إلى عالم أكثر جرأة في تخيلاته، عندما وصلنا إلى متحف المستقبل، ذلك المبنى الذي أصبح واحداً من أشهر أيقونات دبي المعمارية، بواجهته البيضاوية المميزة ونقوش الخط العربي التي تغطي أجزاءه الخارجية.

4b3766aa-6ed0-4a29-95d4-beff15ae1aa4.jpg
 

منذ اللحظة التي وقفت فيها صوفيا أمام المبنى، بدا واضحاً أن هذه المحطة ستكون الأقرب إليها. أخذت تتأمل تفاصيله المعمارية، قبل أن تنطلق في الداخل بين الروبوتات والتقنيات الحديثة وتجارب الذكاء الاصطناعي والعروض التفاعلية التي تنقل الزائر من الحاضر إلى صورة متخيلة للعالم في العقود المقبلة.

c3c5e04d-6097-4a52-9e82-e6acb3c77c17.jpg
 

لم يكن المكان بالنسبة إليها متحفاً تقليدياً يكتفي بعرض مقتنيات خلف واجهات زجاجية، بل مساحة تجعل المستقبل محسوساً وقريباً. كانت تتحرك بين الأقسام باهتمام، وتتوقف طويلاً أمام الروبوتات، وتسأل عن كيفية عملها، ثم تعود للحديث عن الذكاء الاصطناعي وما يمكن أن يقدمه للإنسان في المستقبل.

وبعد انتهاء الجولة، لم تتردد صوفيا في اختيار المكان المفضل لديها، وقالت بحماس إن أكثر ما أعجبها في متحف المستقبل هو تصميمه المعماري والروبوتات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن المكان جعلها تشعر وكأنها انتقلت بالفعل إلى زمن آخر.

كانت إجاباتها تكشف أن ما يجذب الأطفال لا يقتصر دائماً على الألعاب؛ فبعضهم يبحث عن المعرفة، وبعضهم ينجذب إلى الاختراعات، فيما يمكن لمكان مصمم بإبداع أن يحوّل مفاهيم معقدة مثل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى تجربة ممتعة وقريبة من أذهان الصغار.

ومع اقتراب المساء، اتجهنا إلى دبي مول، الذي يصعب اختزاله في كونه مركزاً للتسوق؛ فالمكان أشبه بمدينة داخل المدينة، تتوزع فيها المتاجر والمطاعم والوجهات الترفيهية، وتتقاطع في ممراته لغات وثقافات من مختلف أنحاء العالم.

وبينما كانت واجهات المتاجر تلفت أنظار الزوار، كانت ماريا تنتظر لحظة دخول دبي أكواريوم وحديقة الحيوانات المائية. وما إن وصلنا إلى النفق الزجاجي حتى تبدلت ملامحها، وأصبحت عيناها تلاحقان الكائنات البحرية التي تسبح فوقها وإلى جوارها.

file_00000000536c81f4aac11ad46c6c9aff.png

كانت تشير بحماس في كل مرة إلى كائن بحري جديد، وتتوقف أمام الأسماك الاستوائية وأسماك القرش وغيرها من الكائنات التي لم تكن تعرفها من قبل إلا من الكتب والصور وشاشات التلفاز. وفي كل خطوة كانت الأسئلة تتوالى: ما اسم هذه السمكة؟ وكيف تعيش؟ وهل يمكنها رؤية الناس من خلف الزجاج؟

لم تكن الجولة مجرد وقت للترفيه، بل تحولت بالنسبة إليها إلى درس حي في عالم البحار. وأكثر ما أسعدها كان الاقتراب من البطاريق ومشاهدة كائنات طالما رأتها في الصور، لكنها لم تتخيل يوماً أنها ستقف أمامها بهذه المسافة القريبة.

file_000000004ed881f4a260e918e8fe4e52.png
 

وقالت ماريا إن أجمل ما في المكان أنها شاهدت أسماكاً وكائنات بحرية لم ترها سابقاً إلا في الكتب والصور، وإنها استمتعت كثيراً برؤية البطاريق والتعرف إلى الحياة البحرية بطريقة ممتعة ومفيدة في الوقت نفسه.

كانت كلماتها البسيطة تختصر فكرة الرحلة كلها؛ فعندما تتاح للطفل فرصة أن يرى ويلمس ويتفاعل، تتحول المعلومة من سطر في كتاب إلى ذكرى حقيقية تبقى طويلاً في ذهنه.

وبعد جولة طويلة في دبي مول، كان العشاء في مطعم Shalwa، الذي يقدم أطباقاً مستوحاة من المطبخ الخليجي في أجواء عصرية. وهناك، بدأت أولى جلسات تقييم الرحلة على طريقة الأطفال؛ فكل واحد منهم كان يعيد سرد المحطة التي أحبها، ويصر على أن اختياره هو الأفضل، فيما كان اليوم الأول يختتم وقد وجد كل طفل شيئاً يشبه اهتماماته.

لكن تيمور كان ينتظر صباح اليوم التالي بفارغ الصبر؛ فالموعد هذه المرة مع المكان الذي شكّل بالنسبة إليه ذروة الرحلة: عالم أكوافنتشر المائي.

file_00000000b5a081f4947b410f37a1ef54.png
 

منذ دخولنا، لم يحتج تيمور إلى وقت طويل حتى يندمج تماماً في أجواء المكان. انتقل بين المنزلقات والألعاب المائية وأحواض السباحة بحماس متواصل، وكان يعود من كل تجربة ليتحدث عن الأخرى التي يريد خوضها، قبل أن ينطلق سريعاً وكأنه يسابق الوقت.

بين صوت المياه وصرخات الفرح وضحكات الأطفال، كان أكوافنتشر يقدم الصورة التي يبحث عنها كثير من الزوار خلال الصيف؛ مكان يجمع بين المغامرة والحركة والمرح، ويتيح للعائلات قضاء ساعات طويلة بعيداً عن حرارة الطقس.

وحين سألنا تيمور عن رأيه، جاءت إجابته بلا تردد: «أكوافنتشر أفضل مكان يمكن أن تقضي فيه الصيف وتهرب من حرارة الجو».

9a646d21-e66f-4b81-969c-7357a9063c8f.jpg
 

لم يكن اختياره مفاجئاً؛ فمنذ بداية الرحلة كان واضحاً أن الألعاب المائية والمغامرات الحركية ستكون الأقرب إلى شخصيته. وبينما وجدت صوفيا عالمها في المستقبل والتكنولوجيا، ووجدت ماريا شغفها بين الكائنات البحرية، كان تيمور يرى أن الرحلة لا تكتمل دون السرعة والمياه والتحدي.

وبعد الساعات المليئة بالحركة في أكوافنتشر، انتقلنا مساءً إلى تجربة مختلفة في مطعم Khadak، حيث حضرت النكهات الهندية بتوابلها وروائحها المميزة، لتضيف إلى الرحلة بعداً آخر من التنوع الذي تتميز به دبي.

لم تكن المطاعم في هذه الرحلة مجرد محطات لتناول الطعام، بل جزءاً من اكتشاف المدينة؛ ففي كل مكان كانت هناك نكهة مختلفة وحكاية تنتمي إلى ثقافة أخرى، وهو ما يعكس طبيعة دبي التي تجمع العالم في مساحة واحدة، وتتيح للزائر الانتقال بين مطابخ متعددة من دون أن يغادر المدينة.

وفي اليوم التالي، تناولنا الغداء في مطعم tashas، وسط أجواء هادئة أتاحت لنا استعادة تفاصيل الأيام السابقة. وهناك، طرحنا السؤال مرة أخرى على الأطفال: ما المكان الذي سيبقى في ذاكرتكم أكثر من غيره؟

بقيت الإجابات كما هي؛ تيمور متمسك بأكوافنتشر، وصوفيا لا تزال تتحدث عن متحف المستقبل وروبوتاته وتقنياته، فيما ظلت ماريا تعود في كل حديث إلى البطاريق والأسماك والكائنات البحرية في دبي أكواريوم.

وربما كانت هذه الإجابات المختلفة هي أجمل ما في التجربة؛ فدبي لم تقدم لهم نسخة واحدة من المتعة، ولم تحاول أن تفرض على الجميع اهتماماً متشابهاً، بل منحت كل طفل مساحة ليجد المكان الذي يشبهه. ففي الرحلة نفسها، استطاع طفل أن يعيش المغامرة، وآخر أن يسافر بخياله إلى المستقبل، وثالث أن يكتشف عالماً كان يراه فقط بين صفحات الكتب.

وتواصلت الرحلة بزيارة مردف سيتي سنتر، حيث جمعنا بين التسوق وقضاء وقت عائلي في أجواء بعيدة عن رتابة المراكز التجارية التقليدية. وبين المتاجر والمقاهي والمساحات المفتوحة للعائلات، وجد كل فرد ما يناسبه، بينما كان الأطفال يتنقلون بخفة بين الممرات، رغم الأيام الحافلة التي سبقت.

وكان التسوق بالنسبة إلينا فرصة لالتقاط الأنفاس واقتناء بعض الاحتياجات والهدايا قبل العودة، لكنه بالنسبة إلى الأطفال كان امتداداً للرحلة؛ فحتى المراكز التجارية في دبي لا تكتفي بعرض المنتجات، بل تحاول تقديم تجربة متكاملة تجعل العائلة تقضي وقتاً أطول في المكان.

ومع اقتراب موعد المغادرة، بدأت حقائب السفر تمتلئ بالمشتريات والهدايا، لكن الذاكرة كانت قد امتلأت قبلها بلحظات أكثر قيمة: دهشة صوفيا أمام الروبوتات، وضحكات تيمور بين المنزلقات، وملامح ماريا وهي تراقب الأسماك والبطاريق للمرة الأولى من مسافة قريبة.

وعندما جاء وقت العودة إلى سلطنة عُمان، لم يكن السؤال عن عدد الأماكن التي زرناها، بل عن المكان الذي سيبقى حاضراً في الذاكرة بعد انتهاء الرحلة. وكانت إجابات الأطفال دليلاً على أن التجربة نجحت في الوصول إلى كل واحد منهم بطريقة مختلفة.

لقد أعادت مبادرة «خبير الوناسة» تقديم مفهوم الرحلة العائلية بصورة تجعل الطفل شريكاً أساسياً فيها، لا مجرد مرافق ينتقل خلف والديه من مكان إلى آخر. فالطفل هنا يكتشف ويسأل ويجرّب ويعبّر عن رأيه، وتُبنى تفاصيل الرحلة حول فضوله واهتماماته.

وهذا ما يجعل التجربة أكثر من مجرد برنامج ترفيهي؛ فهي تفتح أمام الأسرة طريقة مختلفة لاكتشاف المدينة، وتمنح الآباء فرصة لرؤية الوجهات بعيون أطفالهم، والالتفات إلى تفاصيل قد تمرّ عليهم سريعاً لو كانوا يسافرون بمفردهم.

ففي مدينة اعتادت أن تلفت أنظار العالم بمبانيها ومشروعاتها ومعالمها، كشفت لنا هذه الرحلة أن أكثر ما يبقى ليس دائماً الأكبر أو الأعلى، وإنما تلك اللحظة الصغيرة التي يلمع فيها وجه طفل أمام تجربة يراها للمرة الأولى.

وهكذا عدنا إلى عُمان ونحن لا نحمل صوراً وهدايا فحسب، بل نحمل ثلاث حكايات مختلفة لمدينة واحدة؛ حكاية رواها تيمور من قلب المغامرة، وأكملتها صوفيا وهي تنظر نحو المستقبل، واحتفظت ماريا بتفاصيلها بين الأسماك والبطاريق.

لم نزُر دبي فحسب.. بل عشنا حكاية قادها الأطفال، وكتب كل واحد منهم فصله المفضل بطريقته الخاصة.

 

 

دبي (4).jpeg
 

دبي (3).jpeg
 

دبي (1).jpeg

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z