المعادلة بين لقمة العيش ومعنى العيش

 

 

صالح الغافري

تتشابك حياتنا بين ثلاثة محاور كبرى: السياسة، والاقتصاد، والهوية. هذه المحاور ليست مجرد عناوين منفصلة، وإنما خيوط متداخلة تصنع واقع المواطن والمجتمع، وتحدد مساره. فما يحدث في السياسة ينعكس على الاقتصاد، وما يعيشه الاقتصاد يترك أثره على الهوية. وهكذا تتشكل صور واقع مجتمعنا العُماني وسط عالم يموج بالتحديات.

في عام 2024 بدا المشهد الاقتصادي مستقرًا نسبيًا، حيث بلغ متوسط التضخم نحو 0.94%، وهو معدل منخفض مقارنة بالارتفاعات العالمية. ومع ذلك، ارتفعت أسعار بعض المواد الغذائية، مثل الفواكه بنسبة 1%، ومنتجات الألبان بنسبة 2.9%، بينما انخفضت أسعار الخضراوات بنسبة 4.6%، والأسماك بنسبة 3.7%. وفي عام 2025 سجّل متوسط التضخم، خلال الأشهر الخمسة الأولى، نحو 0.81% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، وذلك وفقًا لبيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات. هذه الأرقام لم تكن مجرد بيانات، وإنما تحولت إلى قصص يومية يعيشها المواطن في تفاصيل حياته. فالاقتصاد لا يغير فقط مستوى المعيشة، وإنما يترك أثره على شعور المواطن بذاته ومكانته في المجتمع.

وهذا التحول لا ينعكس على الاقتصاد وحده، وإنما يمتد إلى عمق الهوية الوطنية. فالاقتصاد انعكاس مباشر للسياسة، وقرار واحد في الموازنة، أو في الدعم، أو في الضرائب، يمكن أن يغير حياة آلاف الناس. وحين تتأخر الإصلاحات أو تتعثر السياسات، يظهر ذلك في الأسواق وفي جيوب المواطنين. أما الهوية، فهي ليست رقمًا ولا شعارًا، وإنما إحساس داخلي بالانتماء. وحين يفقد المواطن عمله، لا يخسر دخله فقط، وإنما يشعر أن مكانته في المجتمع اهتزت. وهنا يصبح الاقتصاد مرآة للهوية، فالأرقام تتحول إلى مشاعر، والوظائف إلى معنى للوجود. ومن يربح في الهوية هو من يحافظ على ذاته وسط التغيرات، ومن يخسر هو من يستيقظ ليقول: لم أعد كما كنت؛ لأنه فقد جزءًا من نفسه وسط زحام الأحداث. الهوية تمنح المواطن ثباتًا ومعنى، حتى عندما يضطرب الاقتصاد.

وهنا تتضح معادلة البناء بين الاقتصاد والهوية. فالاقتصاد يمنح لقمة العيش، والهوية تمنح معنى العيش. وحين يلتقيان في مشروع وطني واحد، يصبح المواطن شريكًا في التنمية، لا مجرد متلقٍ لها. ويشعر أن كل جهد حكومي، وكل مبادرة اقتصادية، هما أيضًا تعزيز لانتمائه وكرامته. ورغم ما تكشفه الأرقام من ضغوط، فإن القادم يحمل خطوات إصلاحية جادة، مثل برامج دعم الغذاء، وتوسيع فرص العمل للشباب، وتطوير سياسات الإسكان، وتعزيز برامج الحماية الاجتماعية، والمشاريع الاستثمارية القادمة. وهي رؤية تسعى إلى تخفيف الأعباء، وبناء مستقبل أكثر توازنًا بين الاقتصاد والهوية، وسط العواصف التي تعصف بالمنطقة والعالم، ليبقى الأمل حاضرًا في كل بيت.

ولكي تكتمل الصورة، لا بد من النظر إلى المقارنة الإقليمية. فبينما بلغ التضخم في عُمان أقل من 1% في عام 2025، تجاوز في بعض دول الجوار 3%، وفي دول أخرى أكثر من 5%، مما يعكس نجاح السياسات النقدية في الحفاظ على الاستقرار النسبي. ومع ذلك، فإن المواطن يقيس نجاح السياسات بقدرته على شراء الغذاء، وتوفير مستلزمات الحياة، وتأمين مستقبل أبنائه، لا بالأرقام وحدها. وهنا يظهر البعد الإنساني الذي لا يمكن تجاهله.

وفي المرحلة الحالية، تجسد الجهود الحكومية، بقيادة مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، أن الإنسان العُماني هو محور التنمية وغايتها، وأن مراجعة ما يحتاج إلى مراجعة، ومعالجة ما يحتاج إلى معالجة، إنما هما تعزيز لمسيرة النهضة المتجددة، وترسيخ لقيم العدالة والرحمة التي قامت عليها هذه الدولة المباركة، بما يضمن أن تكون القرارات أقرب إلى حياة المواطن، وأكثر انسجامًا مع تطلعاته.

في النهاية، يبقى الوطن كالجبل الراسخ، لا تهزه الرياح، ولا تنال منه العواصف. هو الذي يمنحنا الثبات حين يضطرب الاقتصاد، ويمنحنا المعنى حين تتداخل الأرقام مع المشاعر. ومن يعيش على سفحه يجد الأمان، ومن يحاول أن يبتعد عنه يفتقد جذوره. فالوطن ليس مجرد أرض نقيم عليها، هو المعنى الذي يجعل كل جهد اقتصادي، وكل قرار سياسي، وكل شعور بالانتماء، جزءًا من معادلة واحدة. معادلة البناء بين لقمة العيش ومعنى العيش، بين الرخاء والثبات، بين المواطن والمجتمع وأرضه. إنها مسؤولية جماعية لا تُبنى برؤية الحكومة وحدها، وإنما بمشاركة المواطن، والسياسي، والاقتصادي، في صياغة الغد، ليبقى الوطن هو المعادلة الكبرى التي تجمع بين الرخاء والمعنى، وتمنحنا القدرة على مواجهة المستقبل بصلابة وبصيرة.

تبقى الأرقام، مهما بدت مستقرة، غير كافية وحدها. فالمعيار الحقيقي أن يشعر المواطن بأن الإصلاحات تقترب من تفاصيل حياته اليومية، وتمنحه الطمأنينة بأن المستقبل أكثر توازنًا بين الاقتصاد والهوية، وهو ما تسعى إليه الجهود الحكومية بخطوات مدروسة تعكس حرصها على أن يكون الاستقرار واقعًا ملموسًا، لا مجرد بيانات. لنمضِ جميعًا بإيمان ووعي نحو مستقبل أكثر إشراقًا وازدهارًا، مستقبل يليق بعزيمة العُمانيين وقيادتهم الحكيمة.

الأكثر قراءة

z