وهم الاحتواء في الخليج

 حمد الناصري
     لم تكن حرب الخليج الأخيرة وما صاحبها من ارتدادات عنيفة مجرد جولة مألوفة من جولات التصعيد الإقليمي، بل كانت بمثابة الزلزال الاستراتيجي الذي دكّ النظريات الأمنية وعواميدها التقليدية، وعرّى بشكل قاطع مدى زيف "سياسة الاحتواء" وعُقم النظرية السائدة التي حُوصرت بها المنطقة لعقود.

    وجاء المقال الصريح والشجاع لمعالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير خارجية سَلطنة عُمان في صحيفة "لوموند" الفرنسية ليرفع الغطاء عن تلك المُمارسات العقيمة، واضعاً مبضع التشخيص الدبلوماسي فوق الجرح المزمن لأمن الخليج.

   إن ما شهدته الساحة منذ عقودها الصمّاء وما تشهدهُ مؤخراً يُثبت بالدليل القاطع صواب الرؤية العُمانية التاريخية التي طالما حذّرت من أن جُدران العزل والمقاطعة وتمتين البُنى الأمنية على فرضية إقصاء إيران كعدو وجودي وحيد لم تكن سوى أوهام دُفنت في أتون المواجهة الأخيرة؛

   فقد أظهرت الحرب أنّ المُقاربة الأمنية التي فُرضت على المنطقة منذ ما يُقارب نصف قرن قد ارتكزت على الإنفاق العسكري الهائل والتسليح المُفرط دون بناء جسور حقيقية، ولم تُفرز لنا أمناً مستداماً، بل تركت الخليج رهينة لقرارات وتفاعلات تُطبخ خارج حدود الإقليم ودون تفويض أممي شرعي.
   
 وجاء تحرك مسقط المحوري والهام في هذا المنعطف التاريخي لأنها ارتأت أن تُقدم البديل الواقعي العادل، داعية المجتمع الدولي والشركاء الدوليين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية إلى التخلي عن إرث الفشل والعبور نحو مفهوم "الإدماج الإقليمي" الشامل، وهو مفهوم يحمل الدول الثماني المُشاطئة للخليج (دول مجلس التعاون الست والعراق وإيران) مجتمعة مسؤولية حماية هذه البُقعة الحيوية من العالم.
 
   ولا تنفصل جغرافية هذا الاستقرار عن حقيقة الالتزامات العُمانية القانونية؛ فالسلطنة التي تُشرف على ممر مضيق هرمز "رأس مسندم" ومُحيطه، والبحر الشرقي المفتوح لعُمان وصولاً لشمال غرب البحر العميق وباب المندب وبحر العرب، تُؤكد دوماً عبر دبلوماسيتها الهادئة والواثقة تمسّكها الصارم بحرية الملاحة الدولية المجانية وفقاً لقانون البحار (UNCLOS)، رافضة الانصياع لأطماع فرض الرسوم أو المتاجرة بالممرات اللوجستية لضمان تدفق الازدهار وسلاسل التوريد.

  خُلاصة القول: إن علاج هذه الحرب لا يكمن في تهدئة عسكرية مؤقتة أو التقاط أنفاس عابر، بل يُفرض "عُمق استراتيجية مُشتركة" تعيد توازن العلاقات الإقليمية والدولية على أسس العدالة والواقعية وتصحيح الحسابات العقيمة؛ فمعالي السيد وزير الخارجية العُماني قالها بشجاعة: "إنّ الغرب يرفض إدراك الحقيقة الاستراتيجية في الإقليم"، وذلك هو الذكاء الذي يضمن أمن الخليج لا أنْ يُبنى بالاحتواء الزائف، بل بالاعتراف بالجغرافيا السياسية التي تُؤمن شعوب المنطقة ولا تدفعهم ثمن حروب لم تخترها ولا خيار لها فيها.

   إننا نأمل من المجتمع الدولي أن يكون على بصيرة عادلة حتى لا تظل خيوط الحرب لُعبة بيد قُوى بعيدة تبحث عن مصالحها وتترك خيوط السّلم مُزعزعة ودول الإقليم غارقة في أزمات تدفع ثمنها في خيار مُستعر.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z