باحث سعودي لـ"الرؤية": العلاقات العربية الصينية تتسم بالنضج والاستجابة لتحولات النظام الدولي

الرؤية- ناصر العبري

قال هيثم السيد من المملكة العربية السعودية، باحث سعودي في العلاقات الدولية، إنَّ علاقته بالصين بدأت منذ عام 2009 عندما سافر في بعثة لدراسة هندسة الحاسب الآلي في معهد بكين للتكنولوجيا، مضيفاً: "كانت الصين حينها مختلفة تماماً عن صورة اليوم، وأعتبر نفسي محظوظا لأني عشت التحولات الكبرى عن قرب، ورأيت كيف صارت واحدة من أهم القوى الاقتصادية والتكنولوجية في العالم".

وأضاف- في تصريحات لـ"الرؤية"- أنَّ اللغة الصينية كانت من أكبر التحديات التي تواجهه لأنها تختلف عن اللغة العربية في الكتابة والنطق، مؤكدا أنه حرص على تعلم اللغة الصينية حتى يستطيع الاندماج في المجتمع الطلابي هناك، حتى تحولت اللغة الصينية نافذته لفهم الثقافة والعقلية الصينية وليست مجرد أداة تواصل.

وتابع هيثم السيد قائلاً: "بعد التَّخرج عدت إلى المملكة للعمل في شركة صينية كبرى في قطاع التكنولوجيا، وتعرفت عن قرب على بيئة العمل وآليات التفكير داخل الشركات الصينية، ثم عدت للصين مجددا للعمل في مجال التجارة، وهي تجربة منحتني فهما عمليا للسوق الصيني من الداخل".

كما بيّن أنَّ نقطة التحول جاءت عام 2019 حين تلقى عرضين للعودة للشركة الصينية براتب أعلى، أو الانضمام إلى مركز بحثي في السعودية، مشيرا إلى أنه اختار العمل البحثي لأنه شعر أن تجربته مع الصين يمكن أن تتحول إلى مشروع معرفي يسهم في تعزيز العلاقات السعودية الصينية وتقديم فهم أعمق للصين لصناع القرار والمجتمع.

ولفت إلى أنَّ المركز ابتعثه لدراسة الماجستير في العلاقات الدولية بجامعة يونان في الصين، مضيفا: "تعمدت اختيار يونان لأنها تمثل وجهاً مختلفاً للصين بتنوعها الثقافي والعرقي، وكانت فترة جائحة كورونا فرصة للتعايش المُباشر مع المجتمع والمشاركة في المؤتمرات الأكاديمية، حتى أصبحت أقدم محاضرات للطلاب الصينيين عن قضايا الشرق الأوسط".

وذكر الباحث السعودي هيثم السيد أنه اختار لرسالته عنوان: رؤية المملكة 2030 وانعكاساتها على مستقبل الشرق الأوسط"، لتقديم رؤية سعودية مكتوبة باللغة الصينية، لتعريف الباحثين الصينيين بالتحولات التي تشهدها المملكة.

وفي الوقت الحالي يعمل الباحث السعودي مديرا لوحدة الدراسات الصينية، مبينا: "أسعى لتوظيف ما اكتسبته أكاديميا وعمليا في بناء جسور معرفية بين العرب والصين، لأنَّ المعرفة المتبادلة هي الأساس لأي علاقة استراتيجية ناجحة"..

وحول تقييمه للعلاقات العربية الصينية، يرى السيد أن قراءتها تحتاج إلى بعد تاريخي وليس فقط إلى وقائع اليوم، مبينا: "طريق الحرير لم يكن مسارا تجاريا فقط، بل مشروعا حضاريا امتد لألفي عام، أسهم في بناء مصالح مشتركة وفتح قنوات للتبادل التجاري والثقافي بين الشرق والغرب، والآن الصين أصبحت الشريك التجاري الأول لمعظم الدول العربية، وتوسع التعاون ليشمل الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية ضمن مبادرة الحزام والطريق، وبما ينسجم مع رؤى التنمية الوطنية العربية".

وأكد أنه مع التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، اكتسبت العلاقات بعدا استراتيجيا، إذ دفعت التحولات الإقليمية دولا عربية إلى تنويع الشراكات بما يحقق توازنا استراتيجيا، وهو توجه ينسجم مع السياسة الصينية القائمة على احترام السيادة وعدم التدخل وتفضيل الحلول السياسية، موضحا: "بكين تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره محورياً لأمن الطاقة وركيزة لنجاح الحزام والطريق، ولذلك ستواصل توسيع حضورها الاقتصادي والدبلوماسي مع الحفاظ على نهج الوساطة ودعم الاستقرار".

وأكد السيد: "العلاقات العربية الصينية تدخل مرحلة تتجاوز الاقتصاد التقليدي نحو شراكة في التكنولوجيا المتقدمة والاقتصاد الرقمي والابتكار والبحث العلمي والأمن غير التقليدي، وهذا يعكس نضج العلاقة واستجابتها لتحولات النظام الدولي".

وفيما يخص العلاقات العمانية السعودية، أكد أنها راسخة ومتجذرة وتمثل نموذجا خليجيا قائما على الاحترام المتبادل ووحدة المصير والرؤية المشتركة، مضيفا: "ما نشهده من تطور في التعاون الاقتصادي والاستثماري يعكس الإرادة السياسية لدى قيادة البلدين، في ظل الرعاية الكريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وجلالة السلطان هيثم بن طارق، والدعم المباشر من الأمير محمد بن سلمان والسلطان هيثم بن طارق".

وأشار إلى أنَّ مستقبل العلاقات بين البلدين سيكون أكثر ازدهارا مع تكامل مستهدفات رؤية "السعودية 2030" ورؤية "عمان 2040"، وما توفره من فرص في اللوجستيات والطاقة المتجددة والصناعة والسياحة والاستثمار والاقتصاد الرقمي، كما أن المشاريع المشتركة وعلى رأسها المنافذ البرية والربط اللوجستي ستعزز حركة التجارة ليس بين البلدين فقط وإنما بين الخليج والعالم، إذ إن العلاقات تجاوزت التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية متكاملة، تحقق التنمية المستدامة وتعز أمن واستقرار المنطقة، وتجسد عمق الروابط التاريخية والأخوية بين الشعبين الشقيقين.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z