عباس الزدجالي
abbas@omanmana.com
منذ قرون ارتبطت صورة القرصان في المخيلة الإنسانية برجل يقف على ظهر سفينته، يلوح بسيفه في وجه السفن التجارية، ويخيرها بين الدفع أو التعرض للهجوم. لم يكن يملك البحر، لكنه كان يعتقد أن القوة تمنحه حق فرض الإتاوات على السفن. واليوم، وبعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن فرض رسم عبور على السفن التي تمر عبر مضيق هرمز، عاد هذا المشهد التاريخي إلى الأذهان، ولكن بوسائل أكثر حداثة وخطاب سياسي بدلًا من الرايات السوداء.
فالمضيق ليس ممرًا أمريكيًا، ولا تملكه أي دولة بعينها، بل هو ممر بحري دولي يقع بين سلطنة عُمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهما الدولتان المشاطئتان له، وتتحملان، بحكم الجغرافيا والقانون الدولي، مسؤولية إدارة شؤونه، كلٌ ضمن مياهه الإقليمية، وضمان المرور الآمن للسفن وفق القواعد الدولية المنظمة للمضائق المستخدمة للملاحة الدولية.
ومن ثم، لا يحق لترامب ولا لغيره فرض رسوم عبور من جانب واحد، أو التحكم في المضيق، أو التعامل معه بوصفه ملكية خاصة أو بوابة جباية أمريكية؛ لأن حرية الملاحة لا تمنح أي قوة خارجية حق مصادرة صلاحيات الدول المشاطئة أو فرض إتاوات على التجارة العالمية.

ولعل أكثر ما يجعل هذا الطرح مثيرًا للجدل أنه لا ينسجم مع المبادئ التي طالما أعلنت الولايات المتحدة أنها تدافع عنها، وفي مقدمتها حرية التجارة والملاحة. فهذه الحرية لا تقوم على الجباية، وإنما على قواعد دولية مشتركة تتحمل الدول مسؤولية احترامها، لا تحويلها إلى مصدر دخل أو وسيلة ضغط سياسية.
غير أن التشابه مع عقلية القراصنة لا يقف عند فكرة فرض الإتاوات وحدها، بل يمتد أيضًا إلى أسلوب إدارة الأزمات. فالقرصان اشتهر عبر التاريخ بالغدر والمباغتة، واختيار اللحظة التي يكون فيها خصمه أقل استعدادًا. ويرى منتقدو ترامب أن هذا النمط تجسد عندما نفذت الولايات المتحدة ضربات عسكرية ضد أهداف داخل إيران، في وقت كانت الاتصالات والمباحثات السياسية بين البلدين لا تزال مستمرة، سعيًا للتوصل إلى تفاهمات بشأن الملفات العالقة.
وفي الوقت ذاته، صدرت عنه تصريحات متشددة توعد فيها إيران بتدمير قدراتها، وإعادتها إلى "العصر الحجري"، وتحدث عن "غضب ملحمي" و"فناء" إذا لم تستجب لشروطه. وبغض النظر عن تقييم تلك السياسات، فإن الجمع بين التفاوض والتصعيد العسكري منح خصومه مادة لاتهامه بأنه يستخدم الدبلوماسية غطاءً للضغط بالقوة.
واليوم، يبدو أن المشهد يتكرر، ولكن في البحر. فبدلًا من السيف التقليدي، يرفع ترامب سيف الرسوم الجمركية ورسوم العبور، معتقدًا أن العالم سيدفع الفاتورة دون اعتراض. غير أن الاقتصاد لا يعمل بهذه البساطة. فشركات الشحن وناقلات النفط لن تتحمل أي رسوم إضافية من أرباحها، وإنما ستضيفها إلى تكلفة النقل، ثم تنتقل تلك التكلفة إلى المستوردين، ثم إلى المستهلك النهائي.
وهنا تكمن المفارقة. فالولايات المتحدة نفسها تعد من أكبر مستهلكي النفط والسلع المنقولة بحرًا، وبالتالي فإن جزءًا كبيرًا من أي رسوم تُفرض على حركة التجارة العالمية سيعود في النهاية إلى المواطن الأمريكي. سيدفعها وهو يملأ خزان سيارته في محطة الوقود، ويدفعها مرة أخرى عندما ترتفع أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية في مراكز التسوق.
وما يبدو للوهلة الأولى وسيلة لتحصيل الأموال من الآخرين، قد يتحول عمليًا إلى ضريبة غير مباشرة على الاقتصاد الأمريكي نفسه، مع ما يرافق ذلك من ضغوط تضخمية وارتفاع في تكاليف المعيشة.
أما على المستوى الدولي، فإن خطورة الفكرة لا تكمن في قيمتها المالية فحسب، بل في السابقة التي قد تخلقها. فإذا أصبح من المقبول أن تفرض دولة رسومًا أحادية على المرور في مضيق دولي بحجة الحماية، فما الذي يمنع دولًا أخرى من المطالبة برسوم مماثلة في مضيق ملقا أو قناة السويس أو باب المندب أو غيرها من الممرات الاستراتيجية؟
عندها سيتحول النظام البحري العالمي من منظومة قائمة على حرية الملاحة إلى شبكة من "نقاط الجباية"، تتنافس فيها القوى الكبرى على فرض الإتاوات بدلًا من ضمان انسياب التجارة.
قد يحقق منطق القوة مكاسب آنية، لكنه نادرًا ما يصنع نظامًا مستقرًا. فالقرصان قد يجمع الذهب لفترة، لكنه لا يبني تجارة، ولا يؤسس ازدهارًا، ولا يكسب ثقة البحارة. والعالم الحديث، رغم كل صراعاته، لا يزال يقوم على قواعد قانونية وتنظيمية تحكم حركة التجارة الدولية، لا على منطق السفينة الأقوى.
ولهذا، فإن وصف "قرصان مضيق هرمز" ليس مجرد استعارة ساخرة، بل تعبير سياسي عن رؤية ترى في الممرات الدولية فرصة للجباية أكثر منها مسؤولية مشتركة لضمان حرية الملاحة. فالمضيق ليس كشكًا لتحصيل الرسوم، ولا بوابة يقرر رئيس دولة من يمر منها ومن يدفع.
والتاريخ يعلمنا أن القراصنة قد يثيرون الضجيج، لكنهم لا يكتبون قواعد البحار، ولا يدوم لهم شأن مهما علت أصواتهم أو كثرت سفنهم.
