حق المواطن في الوظيفة الكريمة

 

 

أسماء عوض باقوير

بعد سنوات من النقاش حول قضية الباحثين عن العمل، أصبح من الضروري الانتقال من مرحلة الحديث عن توفير الوظائف فقط إلى مرحلة أوسع تتمثل في بناء رؤية وطنية واضحة للتوظيف؛ رؤية تستثمر في الإنسان العُماني، وتربط بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وتمنح المواطن فرصة تتناسب مع مؤهلاته وقدراته وطموحاته.

إن قضية التوظيف ليست مجرد أعداد تُضاف إلى سوق العمل، بل هي قضية إنسان ومستقبل واستقرار مجتمع. فالشباب العُماني والباحثون عن العمل ليسوا مجرد أرقام في قوائم الانتظار، بل هم كفاءات وطنية وطاقات واعدة بذلوا سنوات طويلة في التعليم والتأهيل، وتحملوا مشقة الدراسة من أجل اكتساب العلم والخبرة، وهم ينتظرون فرصة حقيقية لتحويل ما تعلموه إلى عطاء يخدم وطنهم ويبني مستقبلهم.

والوظيفة لا تمثل مصدر دخل فقط، بل هي مساحة يحقق فيها الإنسان ذاته، ويشعر من خلالها بقيمته ودوره، ويتمكن من بناء أسرته وتحمل مسؤولياته والمشاركة في تنمية مجتمعه. لذلك فإن جودة الوظيفة واستقرارها ووجود مسار مهني واضح فيها عوامل أساسية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ومن هنا، فإن القضية لا تكمن في توفير أي وظيفة، بل في إيجاد فرص عمل نوعية تستفيد من الكفاءات الوطنية، وتحفظ حق المواطن في وظيفة تتناسب مع مؤهلاته، وتفتح أمامه أبواب التطور والترقي وفق الكفاءة والاستحقاق.

لقد استثمرت الدولة في تعليم أبنائها وتأهيلهم، وهذا الاستثمار يحتاج إلى أن يكتمل بتمكين هذه الطاقات في مواقع العمل المناسبة؛ لأن الكفاءات الوطنية هي الثروة الحقيقية لأي وطن، وحسن توظيفها يعود بالنفع على الفرد والمجتمع والاقتصاد.

كما أن سوق العمل بطبيعته يضم مجالات متعددة، ولكل مجال احتياجاته وظروفه، إلا أن ذلك لا يلغي أهمية أن يجد المواطن فرصة تتناسب مع ما بذله من تعليم وتأهيل، وأن يشعر بأن طموحه محل تقدير، وأن قدراته موضع ثقة.

إن بناء اقتصاد قوي لا يعتمد فقط على توفير فرص العمل، بل على حسن استثمار الطاقات البشرية، ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب. فحين يشعر المواطن بأن علمه وجهده محل تقدير، فإنه يصبح أكثر قدرة على العطاء والإبداع والانتماء.

كما أن تمكين المواطن العُماني ليس مطلبًا فرديًا، بل هو خيار وطني يرتبط بمستقبل التنمية واستقرار المجتمع. فالوظيفة الكريمة ليست مجرد عمل، بل هي شراكة بين المواطن ووطنه، وطريق لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.

فكل شاب عُماني يتم تمكينه في المكان الذي يناسب قدراته هو إضافة جديدة لمسيرة الوطن، وكل طاقة وطنية تُستثمر بالشكل الصحيح هي خطوة نحو اقتصاد أكثر استدامة ومجتمع أكثر استقراراً.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z