مرتضى بن حسن بن علي
أثار قرار وزارة التربية والتعليم بتعيين معلمات في مدارس الطلبة الذكور (خاصة في المراحل التعليمية المبكرة أو الأساسية) موجةً واسعةً من الجدل في الأوساط المجتمعية والتربوية. فبينما يرى البعض في الخطوة حلاً عمليًا لأزمات قائمة، ينظر إليها آخرون بكثير من التحفظ والتوجس، نظرًا لطبيعة البيئات المحافظة التي تنشد دائمًا الموازنة بين متطلبات التحديث والحفاظ على الهوية والقيم الاجتماعية.
وفي البيئات المحافظة، تكتسب هذه الخطوة أبعادًا حساسة؛ حيث تبرز، في جانب الإيجابيات، قدرة المعلمات العالية على التعامل النفسي والتربوي مع الأطفال في السنين الأولى من الدراسة (الحلقة الأولى). فالمرأة، بطبيعتها وفطرتها، تمتلك صبرًا وقدرةً أكبر على احتواء الطلاب الصغار وتيسير مرحلة انتقالهم من البيئة المنزلية إلى البيئة المدرسية، وهو ما ينعكس إيجابًا على التحصيل العلمي والسلوك النفسي للطفل.
وفي المقابل، تتلخص السلبيات والمخاوف المجتمعية في انعكاسات هذا القرار عند تطبيقه على فئات عمرية أكبر (بداية المراهقة)، حيث يرى التربويون أن الطلاب الذكور في هذه المرحلة يحتاجون إلى القدوة الرجالية والتعامل الحازم الذي يتوافق مع طبيعتهم السلوكية. فضلًا عن ذلك، فإن غياب الفصل التقليدي في بيئة محافظة قد يخلق حرجًا اجتماعيًا لدى أولياء الأمور والمعلمات أنفسهن، ويولد ضغوطًا إضافية في ضبط البيئة الصفية.
وخلف هذا الجدل الاجتماعي، تكمن حقيقة اقتصادية وتخطيطية لا يمكن إغفالها؛ فالكثير من المراقبين يربطون هذا القرار مباشرةً بوجود فائض كبير من الخريجات المعلمات، يعود سببه إلى محدودية مدارس البنات وعدم قدرتها على استيعاب الأعداد المتزايدة سنويًا. وهنا يثور تساؤل جوهري حول كفاءة التخطيط الاستراتيجي ومواءمة مخرجات التعليم مع حاجة السوق الفعلية.
يطرح الشارع تساؤلًا مشروعًا: ألم يكن من الأنسب للوزارة والجهات المعنية بالتخطيط وضع كوابح أو سياسات توجيهية منذ البداية؟
إن السماح بفتح باب القبول على مصراعيه في كليات إعداد المعلمين والمعلمات، دون النظر إلى السعة الاستيعابية لمدارس الإناث مستقبلًا، يمثل هدرًا للموارد البشرية والمالية. وكان الأجدر بالسياسات التعليمية تنويع المسارات الأكاديمية والمهنية للنساء، وعدم تشجيعهن على الانخراط الكثيف في قطاع التدريس ما دامت المؤشرات الرقمية تؤكد مسبقًا أن السوق سيصل إلى حالة التشبع، مما يضطر الوزارة لاحقًا إلى ابتكار حلول التفافية مثل "تأنيث مدارس الذكور" لمعالجة أزمة التوظيف.
إن علاج هذه المعضلة يتطلب تجاوز الحلول المؤقتة التي تصطدم بالبنية الاجتماعية، والذهاب مباشرةً نحو إصلاح منبع المشكلة عبر خطوات حاسمة:
- إعادة صياغة سياسات القبول: تقنين أعداد المقبولين في كليات التربية وفقًا للحاجة الفعلية التفصيلية لكل جنس وكل تخصص لسنوات قادمة.
- تنويع المسارات المهنية: توجيه الطاقات النسائية نحو تخصصات حديثة ومتجددة يتطلبها الاقتصاد الوطني (مثل التقنية، والابتكار، والإدارة المالية، واللوجستيات) بدلًا من حصر خياراتهن في قطاع التدريس.
- مراعاة التدرج السني: في حال الاضطرار للاستعانة بالمعلمات في مدارس الذكور، يجب حصر ذلك بدقة في الصفوف الدنيا (التمهيدي والحلقة الأولى) لتفادي الصدامات التربوية والاجتماعية في الصفوف الأعلى.
إن المواءمة بين تطلعات المرأة في العمل والمساهمة التنموية، وبين الحفاظ على استقرار البيئة التعليمية وخصوصيتها، تتطلب تخطيطًا مرنًا يستشرف المستقبل، حتى لا يظل نظامنا التعليمي يدير الأزمات بردود أفعالٍ يدفع ثمنها الطالب والمعلم والمجتمع على حد سواء.
