كيف كنا نعيش قبل الذكاء الاصطناعي؟

 مؤيد الزعبي

عزيزي القارئ، قبل أن تكمل قراءة هذا المقال، اسمح لي أن أسألك سؤالًا بسيطًا: متى كانت آخر مرة اتخذت فيها قرارًا دون أن تستشير ChatGPT أو Gemini أو DeepSeek؟ قد تبتسم وأنت تقرأ هذا السؤال، لكن حاول أن تتذكر وتجيب بينك وبين نفسك، هل كتبت آخر بريد إلكتروني بنفسك؟ هل صغت رسالة اعتذار أو تهنئة دون أن تطلب من نموذج ذكاء اصطناعي تحسينها؟ هل اخترت وجهة سفرك، أو ملابسك، أو حتى طريقة ردك على شخص أزعجك، دون أن تسأل الذكاء الاصطناعي عن رأيه؟ ربما الأهم من ذلك، هل ما زلت تثق بقراراتك وبذوقك كما كنت تفعل قبل سنوات قليلة؟ إجاباتك نفسها عن هذه الأسئلة هي التي تقلقني!!

قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، كانت الحياة أبسط، وإن كانت أكثر صعوبة، فقد كنا نبحث في الإنترنت، ونسأل المعلمين، ونجادل الأصدقاء، ونختلف معهم، ونقضي ساعات في كتابة رسالة أو إعداد تقرير أو البحث عن معلومة، ونعم، كنا نخطئ كثيرًا، لكن أخطاءنا كانت جزءًا من عملية التعلم، أما اليوم فقد أصبح كل شيء متاحًا خلال ثوانٍ، حتى إننا بدأنا نستبدل رحلة التفكير الطويلة بسؤال قصير نطرحه على أحد نماذج الذكاء الاصطناعي.

اليوم لم يعد استخدام ChatGPT أو Gemini أو DeepSeek يقتصر على كتابة النصوص أو البحث عن المعلومات، بل أصبح البعض يسألها: "هل هذا الشخص مناسب لي كشريك حياة؟"، وآخر يطلب تحليل رسالة وصلته من صديق، وثالث يسألها كيف يعتذر لزوجته، ورابع يطلب منها اختيار ملابس مناسبة لمقابلة عمل، بينما يلجأ إليها آخرون لتفسير نتائج التحاليل الطبية، أو لفهم مشاعرهم النفسية، أو حتى للحصول على نصائح حول تربية الأطفال.

عزيزي القارئ، دعنا نتفق بأنه لا يمكن إنكار أن كثيرًا من هذه الاستخدامات مفيد بالفعل، فالذكاء الاصطناعي قد يلفت انتباهنا إلى تفاصيل لم نفكر فيها، ويعرض زوايا مختلفة للمشكلة، ويساعدنا على تنظيم أفكارنا واتخاذ قرارات أكثر هدوءًا، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالًا مقلقًا: هل أصبحنا نفكر بمساعدة الذكاء الاصطناعي، أم أننا بدأنا نستبدل عقولنا بتلك الخوارزميات؟

تشير أبحاث حديثة إلى أن الاعتماد المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تراجع ممارسة التفكير النقدي، ليس لأن الإنسان أصبح أقل ذكاءً، بل لأنه لم يعد مضطرًا إلى تشغيل هذه المهارة باستمرار، فالدماغ مثل العضلات، يضعف عندما يتوقف عن التمرين، وإذا أصبح الذكاء الاصطناعي يقوم بالتحليل والمقارنة وصياغة الحجج واتخاذ الخيارات نيابة عنا، فمن الطبيعي أن تتراجع قدرتنا على أداء هذه المهام بأنفسنا مع مرور الوقت.

الأمر نفسه ينطبق على الكتابة، لقد أصبح كثيرون يعتمدون على الذكاء الاصطناعي لكتابة الرسائل والإيميلات والتقارير وحتى المقالات، صحيح أن النتيجة غالبًا تكون أكثر احترافية، لكن السؤال هو: ماذا سيحدث بعد سنوات إذا فقد الإنسان قدرته على التعبير عن أفكاره بلغته الخاصة؟ الكتابة ليست مجرد كلمات مرتبة، بل هي انعكاس لطريقة التفكير، وعندما نتوقف عن الكتابة فإننا نتوقف تدريجيًا عن ممارسة التفكير المنظم والمنطقي والتعبيري.

ومن الظواهر اللافتة أيضًا أن الجميع أصبح يشعر بأنه يفهم في كل شيء، بضغطة زر يمكن لأي شخص أن يطلب من الذكاء الاصطناعي شرحًا عن الاقتصاد أو القانون أو الطب أو الهندسة أو السياسة، فيحصل على إجابة متماسكة خلال ثوانٍ، وهذا تطور رائع لأنه يجعل المعرفة في متناول الجميع، لكنه يحمل جانبًا آخر لا يقل أهمية، فامتلاك المعلومة لا يعني امتلاك الخبرة، وقراءة ملخص عن الطب لا تجعل الإنسان طبيبًا، كما أن الحصول على تحليل سياسي لا يجعل صاحبه خبيرًا في العلاقات الدولية، والخطر يبدأ عندما نخلط بين سهولة الوصول إلى المعرفة وبين امتلاك المعرفة نفسها.

الأخطر من ذلك أننا بدأنا نفقد شيئًا أجده أكثر أهمية، وأقصد هنا الثقة بأنفسنا، ففي الماضي كنا نختار، ثم نتحمل مسؤولية اختياراتنا، أما اليوم فأصبح كثيرون يبحثون أولًا عن موافقة الذكاء الاصطناعي قبل أن يقرروا، وكأننا لم نعد نثق بذوقنا أو بأسلوبنا أو حتى بمشاعرنا، إلا إذا وافقت عليها خوارزميات وتقنيات.

برأيي، فأنا أعتقد أن الحل ليس الابتعاد عن الذكاء الاصطناعي، فذلك يشبه مطالبة الناس بالتخلي عن الإنترنت أو الهواتف الذكية، إنما الحل الحقيقي هو أن نستخدمه بوصفه مستشارًا لا بديلًا، وأداة توسع آفاقنا لا عقلًا نفوضه بالتفكير عنا، يجب أن يبقى القرار الأخير للإنسان، وأن تبقى مهارات القراءة والكتابة والتحليل والنقاش جزءًا من حياتنا اليومية مهما تطورت التقنيات.

عزيزي القارئ، تخيل معي هذا السيناريو الخطير، تخيل أن طفلًا وُلد اليوم، وكبر وهو يعتمد في واجباته المدرسية، ورسائله، وقراراته، وعلاقاته، وحتى أفكاره، على الذكاء الاصطناعي، عندما يبلغ الثلاثين من عمره، أين ستكون شخصيته الحقيقية؟ وأين ستكون خبراته التي كوَّنتها التجربة والخطأ؟ وهل سيعرف الفرق بين ما يفكر فيه هو، وما فكرت فيه الخوارزمية نيابة عنه؟ أعتقد أنه لن يعرف إلا لو سأل الذكاء الاصطناعي نفسه، وهذه مشكلة حقيقية تواجه أجيالنا.

ربما يكون الذكاء الاصطناعي أعظم اختراع عرفته البشرية في هذا القرن، لكنه قد يتحول أيضًا إلى أكبر اختبار لقدرتنا على الحفاظ على إنسانيتنا وتفكيرنا، فالمستقبل لن يكون لمن يستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر، بل لمن يعرف متى يستخدمه، ومتى يثق بعقله قبل أي شيء آخر.

الأكثر قراءة

z