ارحل يا فاشل!

 

 

سالم البادي (أبو معن)

في الوقت الذي تسابق فيه الدول الزمن لتحقيق التنمية، يقبع في مؤسساتنا طابور خامس من الموظفين المستهترين الذين يبرعون في صناعة البيروقراطية وتعطيل حياة الناس.

إن تعمد تأخير المعاملات واللامبالاة بحوائج المراجعين ليس مجرد تقصير وظيفي، بل هو خيانة صريحة للأمانة والقانون. هؤلاء المتسيبون تحولوا إلى "عالة" حقيقية تنفث سموم الكسل والإحباط بين زملائهم، ليخلقوا بيئات عمل موبوءة بالفشل، واجتثاثهم اليوم من جذورهم لم يعد خيارًا إداريًا، بل هو معركة كرامة وطنية لتطهير المؤسسات من بقايا العجز والتسيب.

تخيل هذا المشهد المتكرر الذي يغلي منه دم كل مواطن: تدخل إلى جهة خدمية عامة، فتقف أمام موظف يستمتع بمكالمة هاتفية شخصية، ترتفع ضحكاته في الفضاء بينما أنت تنتظر، والوقت يمر، وهو لا يرى في وجودك سوى إزعاج لخصوصيته! أو تقف صابرًا في طابور طويل لتنجز معاملة بسيطة، وحين يصل دورك أخيرًا، ينهض الموظف ببرود قاتل، ويترك مكتبه ويختفي لنصف ساعة دون أدنى شعور بالمسؤولية أو الاكتراث بكرامتك ووقتك.

تأمل مشهدًا آخر؛ تقف أمام موظف عابس، مكشر، يكسوه الاكتئاب وتملأ ملامحه الكآبة، وكأنه يحمل هموم الكون فوق رأسه، فكيف لعقل أن يتوقع من شخص بهذه العقلية الصدئة أن ينجز معاملة أو يخدم مراجعًا؟

والأدهى من ذلك كله، عندما تضطرك الظروف لطلب مقابلة مسؤول في جهة عامة، فتصطدم بأسوار بيروقراطية منيعة؛ لا تفتح لك الأبواب إلا بعد معاناة مريرة أو وساطة ومحسوبية مهينة، وكأنك تستجدي حقًا مشروعًا من شخص نسي -أو تناسى- أنه لم يُجلس على هذا الكرسي إلا لخدمتك!

هذه المشاهد اليومية ليست مجرد سلوكيات فردية طائشة، بل هي القشرة الخارجية لمنظومة إدارية ينخر فيها الفشل من الرأس حتى القاعدة. المسؤول الذي يعجز عن ضبط موظفيه، وينفصل عن واقع مراجعيه، ويتحصن خلف مكتبه العاجي، هو العقبة الأولى في طريق نهضة هذا الوطن.

الإدارة تكليف وخدمة، ومن يرى فيها وجاهة أو غنيمة، فلا مكان له في مؤسسات الدولة. هذا الفاشل يجب أن يرحل فورًا!

فاتورة الدمار: التنمية في مقصلة الإخفاق الإداري

إن الآثار المترتبة على استمرار القيادات العاجزة في مواقع القرار تتجاوز جدران مكاتبهم، لتضرب في مقتل عصب الدولة والمجتمع. يتجلى ذلك بوضوح في شلل مشاريع التنمية؛ إذ تتحول الملفات الحيوية، مثل البنية التحتية، والرعاية الصحية، والتعليم، إلى مشاريع متعثرة ومؤجلة إلى أجل غير مسمى، مما يحرم البلاد من فرص النهوض السريع واللحاق بركب الدول المتقدمة.

هذا الشلل يرافقه نزيف مالي مرعب للموارد العامة؛ حيث تُهدر الميزانيات الضخمة وتتبدد القروض في خطط عشوائية، مرتجلة، وغير مدروسة، أو في تمويل مشاريع وهمية بلا أي عائد استثماري أو نفع حقيقي ملموس.

إن الفشل هو مرض عضال ينهش في المجتمع وفي الاقتصاد، وينخر في جسد الأمة، فيجب استئصاله فورًا ودون تردد.

هذا التخبط الإداري يبعث برسائل سلبية خطيرة إلى الخارج، مما يؤدي إلى تراجع التنافسية الاقتصادية للدولة وهروب الاستثمارات الأجنبية والمحلية على حد سواء، بحثًا عن بيئات عمل أكثر مرونة وشفافية.أما على الصعيد الاجتماعي، فإن غياب تكافؤ الفرص وهيمنة الفاشلين يؤديان إلى إحباط الكفاءات الحقيقية وهجرة العقول الشابة والمبدعة التي تجد أبواب الأمل موصدة في وجوهها.

وفي نهاية هذه السلسلة الكارثية، يجد المواطن البسيط نفسه مجبرًا على دفع الفاتورة النهائية؛ حيث تُثقل كاهله الضرائب المتزايدة والرسوم المرتفعة، وينهشه التضخم والغلاء، وهي أدوات تلجأ إليها الحكومات لتغطية العجز المالي الفادح والديون المتراكمة الناجمة حصرًا عن سوء الإدارة وهدر الموارد.

إن أولئك الذين يتعمدون تسويف قضايا الناس واللامبالاة بحوائجهم لا يخرقون القوانين المنظمة للعمل فحسب، بل يمارسون تخريبًا ممنهجًا للتنمية بنشرهم عدوى الفشل والتسيب في بيئة العمل. ومن هنا، يصبح تطهير بيئاتنا الوظيفية من هذه الفئة العاجزة ضرورة ملحة لحماية المجتمع ودفع عجلة الإصلاح إلى الأمام.

نماذج دولية

للقضاء على فئة المستهترين وتسريع مصالح الناس، لجأت عدة دول إلى استراتيجيات إدارية وتشريعية صارمة وعملية، بدلًا من الاكتفاء بالنصح والتوجيه الوظيفي، وتعد هذه التجارب ملهمة بالحلول الواقعية:

أولًا: سنغافورة

معادلة "الأجر العادل والمساءلة الصارمة"

مبدأ الجدارة والرقابة:

طبقت سنغافورة نظامًا صارمًا يربط استمرار الموظف في عمله بإنتاجيته ونزاهته المطلقة.

تسهيل الفصل:

ألغت التعقيدات القانونية التي تحمي الموظف المقصر؛ فإذا ثبت تعمده تأخير معاملات المواطنين أو إظهار اللامبالاة، يُفصل فورًا ويُحرم من الامتيازات الحكومية.

مكتب التحقيق في ممارسات الفساد (CPIB):

يتعامل مع التسيب الإداري والتعطيل المتعمد كمقدمة للفساد ويحاسب عليه قانونيًا.

ثانيًا: نيوزيلندا

تحويل الإدارة العامة إلى نظام "عقود الأداء"

عقود مرتبطة بالنتائج:

ألغت نيوزيلندا المفهوم التقليدي لـ"الأمان الوظيفي الدائم" للمقصرين.

خصخصة الفكر الإداري:

يتم تعيين مدراء الدوائر الحكومية بعقود مؤقتة تُجدد بناءً على رضا الجمهور وسرعة إنجاز المعاملات، ومنح هؤلاء المدراء صلاحيات واسعة ومباشرة لفصل أي موظف يتسبب في الكسل أو تعطيل الإنتاجية.

ثالثًا: جورجيا

استئصال البيروقراطية بالتحول الإلكتروني الشامل

مراكز الخدمة الموحدة:

أنشأت جورجيا "بيوت العدل"، وهي مراكز زجاجية مفتوحة ومراقبة بالكاميرات، تقدم مئات الخدمات في دقائق.

إلغاء المزاجية البشرية:

سحبت سلطة التحكم بالمعاملات من الموظف التقليدي، وحولتها إلى أنظمة رقمية، مما منع الموظف من تعمد تأخير مصلحة أي مواطن، وتحول الموظفون المقصرون تلقائيًا إلى فائض عن الحاجة، وتم الاستغناء عنهم.

استرداد المجد التاريخي بأيدي الأكفاء

إذا أردنا الوصول إلى القمة، ومواكبة قطار التطور العالمي السريع، وتحقيق الازدهار المستدام لبلدنا العزيز؛ فلا بد من صياغة عقيدة إدارية جديدة ترتكز على اختيار الأكفاء للقيام بأدوار القيادة والتخطيط والتنفيذ.

لم يعد هناك متسع للمجاملات على حساب مصلحة الوطن، ولم يعد مقبولًا إسناد المصائر إلى غير أهلها.

سلطنة عُمان ولادة، ولديها مخزون لا ينضب من العقول الفذة والكفاءات المخلصة المبدعة، القادرة على صناعة مجدها الحديث ومستقبلها المشرق.

كما كان ماضيها العريق شاهدًا؛ فقد سطر التاريخ نوابغ ورجالًا عظماء قامت بهم وعليهم عُمان، وحملوا رايتها عبر العصور بالعمل والتضحية والجدية.

واليوم، تملك هذه الأرض الطيبة من الشباب التكنوقراط والخبراء من يستطيع إعادة الصدارة للمؤسسات العامة، وبناء جهاز إداري مرن يحترم المواطن ويصون مقدرات الدولة.

فالشعار الاستراتيجي للمرحلة القادمة يجب أن يكون واضحًا ومحفورًا في وجدان كل مسؤول وموظف: عُمان أولًا... عُمان... ثم عُمان... ثم عُمان! ولا مجاملة أو تهاون بعد اليوم مع كل من يسيئ إلى الأمانة العامة أو يتخاذل في أداء واجبه؛ فالحقيقة المطلقة التي يجب أن ترتجف لها عروش الفاشلين هي أنه لا أحد فوق القانون.

لم يعد الفساد الإداري مجرد اختلاس للمال العام، بل إن أبشع صوره تتجسد اليوم في ذلك الموظف "المتنطع" خلف مكتبه، الذي يرى في تعطيل مصالح البشر وإذلال المراجعين استعراضًا واهيًا للقوة.

فلننهض بعُمان إلى مصاف الدول المتقدمة بهمة أبنائها الأوفياء، ولنهيئ جيلًا مثقفًا متسلحًا بالعلم والمعرفة، جيلًا متمسكًا بدينه، محافظًا على قيمه ومبادئه وثوابته الوطنية العليا، لتبلغ عُمان ذرى المجد والرفعة بعزيمة لا تلين.

الأكثر قراءة

z