سعيد بن سليمان العيسائي
كاتب وأكاديمي
موضوعُنا لهذا المقال، أيها القارئ العزيز، هو مصطلح اجتماعي، له دلالات رمزية، وإيحاءات مفهومة لدى الوسط الفني، وما شابههُ من الأوساط ذوات المال والشُّهرة.
إنَّهُ مصطلح (Nepo baby) الذي سوف نربطه بغيره من الكلمات والمترادفات، والقصص، والأمثلة التي لها صلة به، سواء في العالم العربي، أو في مصر، وسلطنة عُمان.
وأصل الكلمة (Nepo) يعود إلى مصطلح (Nepotism) الذي يعني مَنْحُ مِيزة، أو امتياز، أو وظيفة لأقارب، أو أصدقاء مُقربين، بغض النَّظرِ عن كفاءتهم، أو مُؤهلاتهم.
والمصطلح يرجع أصله إلى اللغة اللاتينية من كلمة (Nepote)، التي تعني حفيدًا، وبدأ استخدامهُ في الإنجليزية في منتصف القرن السابع عشر للإشارة إلى الاهتمام، أو التفضيل غير المنصف للأقرباء، وتعني في الوقت الحاضر إساءة استغلال السُّلطة.
وبدأ مع رجال الكنيسة (البابوات) (Popes) في العصور الوسطى، وعصر النَّهضة في أوروبا من خلال منح أقاربهم بعض المنح والمزايا.
والسبب الحقيقي وراء تحول المصطلح إلى "ترند" عالمي يعود إلى فبراير عام 2022، حيث كتبت شابة كندية تُدعى/ مريم دراجي (Meriem Derradji) تغريدة عَبَّرت فيها عن صدمتها بعد معرفة أنَّ الممثلة الأمريكية (مود أباتاو)، والتي تُؤدي دور (ليكسي) في مسلسل (Euphoria) الشهير، هي في الحقيقة ابنة المخرج، والمنتج القوي في هُوليود (جود أباتاو)، والممثلة البريطانية (ليزلي مانفيل)، وانتشرت التغريدة كالنَّار في الهشيم، والتَقطَ مُستخدمو منصة "تيك توك" العبارة، وبدأوا في البحث خلف أسباب مشاهير هُوليود الشباب، وصناعة فيديوهات ترفيهية تكشف "أطفال المحسوبية"، مما جعل المصطلح هو المفضّل للجيل الجديد.
وهذا السبب هو الذي جعلني أسمعه من ابنتي مرام التي تدرس في السنة الجامعية الخامسة بكلية الطِّبِ، حيث كانت تتحدث عن بعض المشاهدات التي لاحظتها هي وزميلاتها التي أطلقن عليها (Nepo baby)، ووصل المصطلح إلى ذروة مأساته عندما أصدرت مجلة نيويورك (New York Magazine) في ديسمبر 2022 غُلافها الشهير بعنوان: (عام طفل النيبو) (The year of the nepo baby)، وتضمن العدد تحقيقًا استقصائيًا ضخمًا، ورسومًا بيانية معقدة توضح شجرة العلاقات العائلية، والمحسوبيات التي تسيطر على صناعة السينما، والأثرياء، والموسيقى في الغرب.
وسوف ننتقل في هذه الفقرة إلى صلة هذا المصطلح، وعلاقته ببعض النَّماذج، والقصص عند العرب قديمًا، وفي عالمنا العربي، وبخاصة في مصر وسلطنة عُمان، ونبدأ ببعض الأبيات المختارة من قصائد معروفة.
يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
كُن اِبنَ مَن شِئتَ واكتَسِب أَدَبًا *** يُغنيكَ مَحمُودُهُ عَنِ النَـــسَبِ
فَلَيــسَ يُـغـني الحَسيبُ نِسبَتَهُ *** بِلا لِـسانٍ لَهُ وَلا أَدَبِ
إِنَّ الفَـتى مَـن يُــقــولُ هَــا أَنا ذا *** لَيسَ الفَتى مَن يُقولُ كانَ أَبي
ومنها قول الشاعر رؤبة بن العجاج:
بِأَبِهِ اقْـتَــــــدَى عَـدِيٌّ في الكَرَمْ *** وَمَنْ يُــــشــابِهُ أَبَهُ فَما ظَلَمْ
والأصح (أباه)، ولكنَّها لغة من لغات العرب أوردها ابن عقيل شاهدًا من شواهده على شرح ألفية ابن مالك.
وقد أشار الشاعر السُّوري الكبير عمر أبو ريشة في قصيدة "النسر" إلى حالة تبدل الأحوال، وتقلب أمور الدَّهر من حالة إلى حالة حين يقول:
أصبح السفح ملعبًا للنسور *** فاغضبي يا ذرا الجبال وثوري
ومن أشعارهم التي أصبحت مثلًا كذلك: «إنَّ البُغاثَ بأرضنا يَسْتَنْسِرُ»، والبُغاثَ اسم لطائر وجمعه بغثان، وهو نوع من الطيور الوضيعة الضعيفة، لونها كالغبار، بطيئة الطيران، طويلة العنق، فاستنسرت وأصبحت كالنسر قوة، فـ«إنَّ البُغاثَ بأرضنا يَسْتَنْسِرُ»، مثل عربي يضرب للضعيف عندما يصير قويًا، وللذليل يعز بعد ذل وهوان، وهو يطلق على الشخص الطريد ركيك الحال والجسد.
وقال أمير الشعراء أحمد شوقي:
يـــا طالِــبًا لِمـعـالي المُلكِ مُجتَهِدًا *** خُذها مِنَ العِلمِ أَو خُذها مِنَ المالِ
بِالعِلمِ وَالمالِ يَبني الناسُ مُلكَهُمُ *** لمَ يُبنَ مُلكٌ عَلى جَهلٍ وَإِقـلالِ
وننتقل الآن إلى ما قيل من نثرٍ عربي في هذه الحالة، وما شابهها من قريب، أو بعيد من الحالات.
ونبدأ بالمقولة الشهيرة: "لا تُعاشِر نفسًا شبعت بعد جوع، فإنَّ الخير فيها دخيل، وعاشر نفسًا جاعت بعد شبع، فإنَّ الخير فيه أصيل".
وقد نَسَبَ بعض النَّاس هذه المقولة لعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، ولكنَّ أناسًا آخرين ردّوا بعدم صحة نسبة هذه المقولة إليهما، لكن ورد في بعض كتب المواعظ والرقائق شعرٌ بمعناه غير منسوب إلى قائله.
تَجَنَّبْ بُيُوتًا شُبِّعَتْ بَعد جُوعِهَا *** فإنَّ بَقَاءَ الجُوعِ فيها مُخَمَّرُ
وَآوِي بُيُوتًا جُــــــوِّعَــــتْ بَعْدَ شِبْعِهَا *** فإنَّ كَــــــرِيــــــــمَ الأَصْلِ لاَ يَتَغَيَّرُ
وقال آخر:
إيَّاكَ إيَّاكَ أَنَ تَرجُو امْرًأ حَسُنَتْ *** أَحْوَالُهُ بَعْدَ ضُرِّ كَانَ قَاسَاهُ
فَنَفْسُهُ تبكي مَا زَادَتْ ومَا نَقَصَتْ *** وذلِكَ الفقرُ فَقْرٌ مَا تَنَاسَاهُ
ومن أمثالهم كذلك: "إنَّ هذا الشبل من ذاك الأسد".
ومن مقولاتهم كذلك: ما ثبت عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن بَطَّأَ به عملُهُ، لم يُسرِعْ بهِ نَسَبُهُ».
وقسَّموا النَّاس إلى نوعين: عِصامي، وهو الذي يشق حياته بكفاح وكَدٍّ وَجِدٍّ، وعظامي، معتمد على عظام آبائه وأجداده، مفاخرًا بنسبه دون أي جُهد، أو علم، أو عمل.
وننتقل الآن إلى الحديث عمَّا شابه هذه الحالات من مشاهد وتجارب في مصر، بسبب أنني أتابع أخبار مصر الفنية والثقافية والتاريخية منذ عُقود من خلال قراءات ومتابعات، ومعايشة للواقع والمجتمع، كل هذا مكنني من الحديث عن التجربة المصرية فيما له علاقة بموضوع مقالنا من قريب، أو بعيد.
وإذا بدأنا بالحديث عن الجانب الفني في مجالات الغناء والتمثيل والمسرح، فإننا يمكن أن نجد بعض الحالات من الفنانين الذين تربطهم صلة قرابة، فقد يكون الفنان، أو هذه الفنانة ابنة المخرج الفلاني، أو أخت المطرب الفلاني، أو حفيد المسرحي الفلاني، ولكنها حالات قليلة، وبدأت منذ عقود طويلة تعود إلى النظام الملكي، وقد أثبت هؤلاء الفنانون جدارتهم في المجالات الفنية المختلفة.
وقد لاحظنا هذه الحالة منتشرة بين المقرئين، فقد يكون هذا المقرئ ابن المقرئ الفلاني، أو حفيد المقرئ الفلاني.
وقد تستمر هذه السلسلة من الجد إلى الابن، ثم إلى الحفيد وهكذا.
وظهر جيل جديد في مجال الفن والتمثيل والدراما والمسرح، قد يكون مدعومًا من منتج، أو مخرج، أو فنان كبير يمتُّ بصلة قرابة به، أو على صداقة بوالده.
ولكن من باب العدالة، وإحقاق الحق نقول: إنَّ مُعظم الفنانين المصريين شقوا طريقهم بِجِدٍّ واجتهاد وكفاح، حيث بدأوا من الصفر، ووصلوا إلى القمة.
وقد تابعتُ شخصيًا سِيرَهم من خلال لقاءات ومقابلات أجريت معهم في حياتهم، أو تحدَّث عنهم العديد من زملائهم، مع وجود شهادات تؤيد صحة ما ذهبتُ إليه.
وطالما نحن في مصر، تجدر الإشارة إلى موضوع الألقاب؛ لأنَّ المصريين يولون عناية كبيرة بالألقاب منذ زمن طويل.
وأذكر أنني استمعت إلى خطاب للرئيس المصري الراحل/ محمد أنور السادات يهاجم فيه الملك فاروق، ملك مصر والسودان، وأظنه كان في مجلس الشعب، قائلًا فيه: "بعض الناس يقول لي: أنا ابن باشا، أبويا كان باشا، وجدي كان باشا".
وأُثيرَ موضوع شراء الألقاب في البرلمان المصري قبل عِدة أشهر، بحيث يمكن شراء لقب (باشا) بمبلغ من المال، وأثار هذا الموضوع ضجة وجدلاً كبيرًا في الصحافة المصرية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والواضح أنَّهُ لم يحظَ بقبول، أو شعبية لدى الشارع المصري.
وإذا كنَّا قد بدأنا حديثنا بمصطلح (Nepo baby) واستخداماته في أمريكا وأوروبا، فإننا نختم حديثنا بسلطنة عُمان، وقصة (جعفرتني يو درهمي)، لربط الحالة الأولى بحالات في مصر وسلطنة عُمان كما وعدنا القارئ العزيز، لكن قبل الدخول في الحديث عن قصة جعفر العماني، ينبغي أن أشير إلى أنني وزملائي في الصف الثالث الإعدادي بمدرسة أحمد بن سعيد بصحار، سألنا معلم اللغة الإنجليزية الأستاذ السُّوداني/ الطيب الزبير الطيب، عن ترجمة كلمة الواسطة في اللغة الإنجليزية، وأعطانا كلمة لا أتذكرها، ولعلها (Nepotism) التي أشرنا إليها في بداية المقال.
وقصة جعفر العُماني مفادها أنَّ رجلًا هامشيًا، أو مُهمشًا مِن إحدى المُدن العمانية كان يُسمى (تُوَيْس) للدلالة على التَّحقير، ويُقال: إنَّ هذا الرجل سافر إلى زنجبار، وكوَّن ثروة كبيرة، وأرسل سفينة مُحملة بالهدايا الثمينة إلى أحدِ الأئمة والسلاطين، وعندما وصلت الهدايا إلى الإمام، أو السلطان تَحَرَّجَ أن يكتب في خطاب الشكر (تُوَيْس)، وكتب بدلاً منها (شكرًا على الهدايا، أيها الأخ جعفر).
وعندما وصل الخطاب، قال مقولته الشهيرة: (جعفرتني يو درهمي من بعد ما اسمي تُوَيْس)، وجعفر هنا إشارة إلى جعفر البرمكي، أحد رجالات البرامكة في العصر العباسي، وقد سمعت هذه القصة الشعبية من عمي، رحمة الله عليه.
وَذَكَرَ الأخ الشيخ/ زياد بن طالب المعولي، أنَّهُ سمعها من والدته، الأمر الذي يدل على أنها متواترة في أكثر من ولاية من ولايات السلطنة.
وإذا صحت هذه القصة الشعبية، فإنها قد تكون البداية الأولى لما يُسمى بالتساهل، والتوسع في منح الألقاب.
وقد كتبنا في مقالنا (صناعة النجاح والأمل) المنشور في صحيفة الرؤية عن نماذج من المكافحين الذين شقوا طريقهم بكل صبر وعزيمة، ووصلوا إلى ما كانوا يتمنونه.
وإلى لقاء آخر في مقال جديد يتسم بالجدة والطرافة، والمعلومة المفيدة.
