د. فاتن الدوسري
دخلت الحرب الروسية الأوكرانية فعليًا مرحلة حرب الاستنزاف، وهي تُعد أخطر مراحل الصراع، إذ أصبحت رقعة المواجهة تمتد إلى معظم أنحاء أوكرانيا. وقد بدأت هذه المرحلة بهجوم أوكراني واسع النطاق خلال الشهر الماضي باستخدام الطائرات المسيّرة، استهدف منشآت الطاقة الروسية وبعض القواعد البحرية، مما تسبب في إرباك قطاع الطاقة في روسيا، وأحدث حالة من الفوضى في الشارع الروسي، وأوقع حرجًا كبيرًا للرئيس فلاديمير بوتين، الأمر الذي استدعى ردًا روسيًا عنيفًا بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدف قطاع الطاقة الأوكراني والعاصمة كييف.
في مقالات سابقة لنا، قبل تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منصبه، أكدنا أن الحرب الأوكرانية شديدة التعقيد، وأنها حرب ذات طبيعة «صفرية» إلى حد كبير، وأنها لن تُحسم - على الأرجح - في عهد ترامب، رغم وعده بإنهائها خلال 48 ساعة، لأنها لا تتعلق بأوكرانيا وحدها، بل بمستقبل أوروبا وروسيا، وبالنظام العالمي أيضًا.
واقع الأمر أن وصول الحرب إلى مرحلة الاستنزاف العنيفة، التي يُتوقع أن تتوسع خلال الأسابيع المقبلة، يؤشر بوضوح إلى وصول الطرفين وحلفائهما إلى طريق مسدود، في ظل تمسك كل طرف بمطالبه، ولا سيما روسيا، مع غياب البدائل السياسية والعسكرية القادرة على إنهاء الصراع.
أطلقت أوكرانيا، بوصفها الطرف الأضعف، حرب الاستنزاف مدفوعة بما اعتبرته تراجعًا في موقف إدارة ترامب، ثم بانشغالها بالحرب مع إيران وما ترتب عليها من استنزاف، إلى جانب الدعم الأوروبي الكامل، والاعتماد على سلاح الطائرات المسيّرة، وربما أيضًا صمود إيران في الحرب، وهو ما شجع أوكرانيا على تحدي القوى الكبرى، لكنه في الوقت نفسه عزز موقف روسيا.
وتتمحور رهانات أوكرانيا في عدة أهداف، أولها إرباك وإضعاف الجبهة الداخلية الروسية عبر سلاح الطائرات المسيّرة الذي بات قادرًا على الوصول إلى العمق الروسي، بما يسبب إحراجًا كبيرًا للرئيس بوتين، خاصة أمام المؤسسة العسكرية، وهو ما قد يدفعه إلى الإسراع في التوصل إلى تسوية تتضمن تنازلات عن بعض مطالبه، ولا سيما ما يتعلق بضم المقاطعات الأوكرانية الأربع، أو إلى تصعيد عسكري عنيف قد تكون له تداعيات كارثية.
أما الرهان الثاني، فيتمثل في الحفاظ على الدعم الأوروبي، وخاصة العسكري، عبر إثبات قدرة أوكرانيا على الصمود واستنزاف روسيا ميدانيًا. بينما يتمثل الرهان الثالث في دفع الولايات المتحدة والصين إلى الانخراط بصورة أكبر في مفاوضات تسوية أكثر توازنًا.
وجاء الرد الروسي شديد العنف، لكنه مدروس، على الهجمات الأوكرانية، ليبعث برسالة واضحة إلى كييف وحلفائها مفادها أن موسكو تدرك أهداف حرب الاستنزاف ورهاناتها، وأنها سترد بالأسلوب نفسه، وربما بصورة أشد.
وفي هذا السياق، يُرجح أن توسع روسيا رهاناتها لتشمل استنزاف القدرات العسكرية الأوكرانية بصورة كاملة، والتدمير المنهجي للمنشآت الحيوية والمدنية، وإضعاف الجبهة الداخلية وتقويض شرعية الرئيس فولوديمير زيلينسكي، إلى جانب تعزيز تقدمها الميداني باتجاه العاصمة كييف، فضلًا عن السعي إلى إنهاك الدول الأوروبية وإصابتها بالإرهاق وخيبة الأمل، وإبعاد الولايات المتحدة عن المشهد، أو دفعها إلى التدخل السريع من أجل تسوية تصب في مصلحة موسكو.
وفي الحسابات الروسية، يرى الرئيس بوتين أن حرب الاستنزاف، رغم آثارها السلبية على روسيا، قد تصب في نهاية المطاف في صالحها، بفضل تفوقها العسكري الشامل، ولا سيما في مجال الطائرات المسيّرة، التي استخدمتها بكثافة خلال الهجمات الأخيرة.
وفي الختام، يمكن القول إن التاريخ يؤكد أن حروب الاستنزاف كثيرًا ما تصب في مصلحة الطرف الأضعف. فحتى إذا لم تحقق أوكرانيا جميع رهاناتها، وتكبدت خسائر كبيرة، فإنها ستُلحق بروسيا خسائر اقتصادية وعسكرية ومعنوية واستراتيجية مؤثرة، بعد أن أثبتت قدرتها على اختراق العمق الروسي واستهداف منشآته العسكرية والحيوية. ويبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى سيستمر العناد الروسي بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين؟
