العَربانة 11

حمد الناصري


تسلل نورُ الشمسِ عبر زجاج المكتب، فازداد بهاؤه بفعل الضوء المبهج؛ نورٌ يعلن ولادة واقعٍ جديدٍ داخل مكتب أمانة السوق الكبير.
استدار سامر نحو المجموعة وقال:
ـ لا يجب إهمال فكرة أحمد، وعساه يظهرها في مسؤوليته الجديدة.
    لزم سعيد ومنصور الصمت المطبق، وكأن الأرض انشقت وابتلعت كبرياءهما ونفوذهما. خطا سامر الأحمر خطوةً نحو أحمد، مادا يده الواثقة إليه وقال:
ـ الآن أثْبُتْ لهم ولنا يا أحمد أنك لست مجردَ باحثٍ، بل أنت القائد الفعلي الذي يحتاجه أمن السوق وتتطلبه مشاريعنا الكبرى.

التفت سامر إلى الثلاثة سليمان ومنصور وسعيد، وأردف بنبرة جافة لا تقبل النقاش:
ـ جهزوا كل شيء فوراً، سننتقل جميعاً إلى مؤسسة خدمات الأمن في مشروع المدينة الكبرى، وأحمد هو من يقود دفة هذه المرحلة، وعليكم الامتثال لخياراته كاملة.

انفض المجلس سريعاً بأوامر حازمة من سامر الأحمر مسؤول مشروع الماء الأزرق والمشرف على إدارة أمن السوق الكبير، تحرك ثلاثتهم سليمان ومنصور وسعيد بخطى ثقيلة يجرون وراءهم خيبتهم.. بينما ظل أحمد واقفاً لبرهة يستجمع شتات نفسه، متأملاً الغرفة التي دخلها قبل ساعات كعاملٍ بسيطٍ كادحٍ يكسب قوته بعرق جبينه على عَربانة في السوق يُحاصر بالخوف، ويخرج منها الآن كقائد متوج تلتف حوله مصائر الرجال والمشاريع.
   انطلقت السيارة بسرعة، مخلفة وراءها غبار القرية والسوق الكبير، ومُتجهة صوب الطريق السريع الممتد نحو المدينة الكبرى. كان الوجوم يلف الجميع، والعيون المترقبة تتبادل نظرات مشحونة بالغل والتوجس. بعد أربعين دقيقة تقريباً وصلوا أخيراً إلى مشارف المدينة الكبرى، حيث بدت ملامح الحداثة والعُمران شاهقة تتحدى هدوء القرية. توقفت السيارة أمام مبنى ضخم، ذي واجهة زجاجية عاكسة باللون الداكن، تُحيط به أسوار مرتفعة وبوابات إلكترونية تُدار بدقة عالية؛ إنه مقر مؤسسة خدمات الأمن بالمدينة الكبرى، التي ترتبط بها إدارة أمن السوق الكبير ارتباطاً وثيقاً كجزء لا يتجزأ من منظومتها المركزية.

     ترجل سامر الأحمر أولاً بثباته المعهود وتبعه أحمد الذي كان يتأمل الأسوار الشاهقة والأنظمة الإلكترونية بحصافة ويقظة، بينما هبط الثلاثة سليمان ومنصور وسعيد متأخرين، مطأطئي الرؤوس والصمت يُطوقهم. أصدرت بوابة إلكترونية ضخمة صوتاً آلياً خفيضاً وهي تنفتح، فخطا سامر إلى الداخل وأحمد وراءه، بينما سار خلفهما الثلاثة كظل باهت سلبت منه الهيبة.

    كانت ردهة المؤسسة الأمنية المركزية أشبه بخلية نحل؛ شاشات عملاقة تغطي الجدران، وتعرض خرائط حيّة وبيانات متدفقة عن مشاريع الوادي والقرية، والبلدة القديمة، والمدينة الكبرى.
وقف رجال المراقبة المخبرية يؤدون تحية صارمة لسامر الأحمر، الذي لم يلتفت إليهم، بل توجه مباشرة نحو قاعة التحكم ذات الزجاج العازل، وأشار إلى سليمان ومجموعته قائلاً بنبرة قاطعة:
ـ افتحوا الأنظمة فوراً، واعرضوا الهيكل المعلوماتي بالكامل؛ أحمد بحاجة للاطلاع على كل خطوط الاتصال الفورية بين إدارة أمن السوق ومشروع الماء الأزرق قبل أي شيء.

التفت أحمد نحو سليمان والآخرين، وقال بنبرة هادئة وحاسمة:
ـ إذن، كانت 'العَربانة' مرصودة بكل هذه الدقة! 

   بعد برهة، قال أحمد للثلاثة معاً:
ـ هاتوا لي على وجه السرعة تقارير الغُرباء والوافدين الذين تحدثتم عنهم، ولنبدأ سوياً بمراجعة ملفات مشروع "الماء الأزرق".

كانت أولى خطوات أحمد صارمة وسريعة، بدأها بإجراءات عملية لتفكيك شفرات المؤسسة الأمنية. تقدم منصور طائعاً وفتح خزانة البيانات الرقمية على الشاشة الرئيسية، ليمده بتلك الوثائق المطلوبة والملفات السرية للبحر الشرقي المفتوح.
   انعكس الماء الأزرق على ملامح أحمد الحادة وهو يتأمل الخرائط الرقمية للبحر الشرقي المفتوح. تداخلت في عقله الحسابات السياسية المعقدة باليقين الأمني الصارم، ليرى في تلك المساحة الشاسعة ما عجز عنه الآخرون؛ إنها ليست مجرد حدود جغرافية، بل هي قلب الوطن النابض.
فكّر أحمد وقدّر؛ لا تراجع خطوة إلى الوراء بعد اليوم. أخذ نفساً عميقاً ثم أطبق جفنيه، مستغرقاً في صمت مُهيب، قبل أن ينطق بصوت عميق رصين تردد في أرجاء القاعة:
ـ البحر الشرقي المفتوح هو عُمق استراتيجي له أبعاد وطنية لا يمكن التغافل عنها بعد اليوم، وتفكيك هذه الملفات المُعقدة ليس مجرد إجراء أمني عابر، بل هو رؤية وطنية شاملة للإصلاح سَنُعيد بها ترتيب الأوراق من جديد.
 هذا البحر هو شريان رئيس وحيوي للمستقبل، وإذا لم نبدأ به، لن تتعافى كل تلك المشاريع التي تحدّث عنها سليمان وسعيد ومنصور، ولن ينعم المجتمع بالأمان والحياة.
   بعدَ أنْ أنهى أحمد حديثه وترك عينيه تشقّان امتداد الخريطة الرقمية الصامتة، وفجأة، لاحت على وجهه حماسة غامضة، فالبحر عنده لم يكن مجرد مَمر مائي للمشاريع والأرقام، بل شريان الصُمود وخط الدفاع المعيشي والوجودي؛ فكانت هذه الالتفاتة الصائبة هي التي جعلت سامر الأحمر يرى فيه حصناً خفياً للأمة لا يمكن اختراقه.

نظر أحمد إلى منصور الذي كان يترقب خطوته التالية، وكأنما تحول هو الآخر إلى ذات الفكرة التي شغف بها أحمد. قال منصور مؤكداً ومؤيداً لقوله:
ـ البحر الشرقي المفتوح عمق استراتيجي ومشروع وطني، وعلينا التمسك به وحمايته بكل ما نملك.
   امتص أحمد كلمات منصور بوعي رجل أمن يزن الولاءات بميزان الذهب، ونظر إليه بعينين جمعتا بين الحزم والتقدير؛ فقد أدرك أنه يمر بمخاض نفسي عسير، وكأنما يقطع حبل الولاء القديم ليلتقي مع عقيدته الوطنية بحزم. التفت أحمد نحو الشاشة ليتأمل امتداد البحر الأزرق، فاقترب منصور ووقف بجانبه يشخص بعينيه إلى ذات المدى، وكأنهما يقتسمان نظرة واحدة نحو الأفق البعيد، ثم خفض منصور صوته متابعاً:   

ـ أنا معك ولا تتردد يا أحمد؛ معك سراً وجهراً لنصنع معاً اللحظة الفارقة. أعلم أن سعيداً هو أخي من أبي، لكن أمه أفريقية؛ ثقافته ووعيه يسودهما التردد، وأشعر بأن الوطنية لا تقوم على القوة وحدها بل على الحسم واليقين، بينما ثقافته يحكمها الخوف والشك. هاجسهم يختلف عنا؛ هو أخي نعم, لكن عقله مأخوذ ومسكون بعقيدة متداخلة أو مدفوعة لا تؤمن بما نؤمن به؛ لا تؤمن بأن البحر المفتوح هو الواجهة الشرقية للبلاد، وأن هذا البحر هو عقيدة الرجال الذين وصلوا إلى أقاصي الشرق الافريقي. إني مقتنع الآن وبشدة، أن هذه الواجهة الشرقية هي عمق بحري مفتوح، فلنستمسك به؛ فمن تمسك بالعمق الأزرق، كان طوق نجاة للغير! 
 
  انسابت مصفوفات البيانات المشفرة على الشاشة، متحولة إلى نصوص مقروءة وخرائط جغرافية تفصيلية للبحر الشرقي؛ خرائط استدعتها الأنظمة من واقع دراسة أحمد البحثية المودعة، والتي كان يترقب اللحظة الحاسمة ليبوح بأسرارها للأقرب إليه نفسياً ووطنياً. تقدم أحمد برأسه قليلاً يتفحص السطور بعينين ثاقبتين، بينما كان منصور يرقب ملامحه الحادة، متوجساً مما سيكشفه الستار.
قال أحمد وهو يشير بإصبعه إلى بند في أعلى القائمة:
ـ انظر هنا يا منصور.. ملف "الغرباء والوافدين" ليس مجرد حصر لإحصاءات عابرة، بل هو وثيقة إدانة كاملة لجهات تلاعبت بمقدرات البحر الشرقي، وحولته إلى نفوذ مغلق لحسابها!

     صمت لثوان، ثم تابع بلهجة امتلأت بالحزم والصرامة الأمنية:
ـ لا بد من وقفة حازمة لا تلين.. نعلم جيداً أننا سوف نصطدم بحيتان كبيرة، وأن الأمور لن تكون سهلة أو مفروشة بالورود، ولكن من هنا تبدأ المواجهة؛ سنخنق كل شريان حيوي للغرباء في هذا الممر الواسع. لا خيار أمامنا إن لم نصنع الفارق بأنفسنا، ونسترد هذا العمق الاستراتيجي كاملاً!
   ازدادت ملامح منصور قسوة، وكأنه يتهيأ نفسياً للمعركة القادمة التي أعدها 'أحمد بن عبدالله البحر'، وبدا مستعداً لمواجهة مباشرة مع إرث عائلته المتردد.. بلا أي تراجع. 
يتبع 12

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z