سالم بن محمد بن أحمد العبري
أشرت إلى أنني لم أشارك الآباء في الماضي ذهاباً إلى سبلة الوالد الشيخ عبد الله بن مهنا لتناول طعام صبيحة العيد؛ لأننا كنَّا صغارا، وكان علينا ألا نزاحم كبار المحتفلين بالعيد على صواني الأرز واللحم بسبلة الشيخ التي كانت تتسع لأربعة مضارب وقد يُفرش الفناء أمام مدخل السبلة، لكننا كنَّا نأكل من وليمة العيد قبل أن نخرج إلى تجمع الصلاة.
فمن المعتاد أن يحضَر إلى بيوت آبائنا صحن كبير أو متوسط أو صغير حسب حجم العائلة وكان ياسر بن حارب أو أحد أخوته أو أبنائه قد يستبق خروجنا للمسجد أو نلتقي به ونحن عائدون سراعاً للبيت لتحية الأهل ولِبْس الجديد من الثياب التي قد تكون مطرزة بخيوط الحرير للصغار.
ويبدو أنَّ الشيخ طالب بن علي الهنائي قد نقل عادة تصبيحات العيد إلى القاهرة حيث صار العمانيون يلتقون بعد صلاة العيد التي كنَّا نصليها في الجامع القريب من المدرسة في 44 شارع محمد مظهر بحي الزمالك الشهير، وكان يقع هذا الجامع في نهاية شارع أحمد حشمت وبهجت علي، وقد يكون شرقي معهد التجارة الخارجية، والذي صار (كلية التجارة الخارجية) لاحقًا وذلك بعد إنشاء جامعة حلوان، وكانت الدكتورة هدى جمال عبدالناصر أشهر الخريجين منه، ويروى أن وزير التعليم العالي المصري في حينه اتصل بجمال عبد الناصر وقد حُبِس صوته وهو يقول له: إن مجموع ابنته هدى لا يؤهلها إلا لهذا المعهد!! لكن الزعيم جمال عبد الناصر الذي ناضل من أجل العدالة الاجتماعية أجابه مستغرباً قوله: أليست هدى مواطنة مصرية فعليها أن تلتحق بالكلية أو المعهد بما قسمه لها جهدها واجتهادها. الجدير بالذكر أنّ جامعة حلوان الآن تم تسميتها (جامعة العاصمة) ونُقِلَ مقرها إلى العاصمة الإدارية، وسيتم نقل الكليات بأكمها تِبَاعًا.
نعود إلى موضوع نقل الشيخ طالب الهنائي عادة التصبيحة العمانية إلى القاهرة، أذكر أنه سنَّ عادة استقبال العمانيين الدارسين والمقيمين في مصر صباح كل عيد بعد الصلاة على وجبة اللحم والأرز. فلما إن يكتمل العدد يؤتي من بيت الشيخ طالب بمرجل الأرز واللحم (طنجرة كبيرة) مجهزا للتقديم فنتحلّق حول صوانيه المتعددة، وأظن كان ذلك في منتصف الستينيات من القرن العشرين، وكان مجموع حاضري هذه الوليمة يناهز المائة شخص؛ وذلك لأن عدد الطلبة الدارسين في مصر الملتحقين بمدرسة (الإمامة) أو الجامعات المصرية بالقاهرة في هذه الحقبة، والذين كانوا يسكنون بشقة رقم 5 في البناية رقم 49 بشارع محمد مظهر بحي الزمالك وشقة 10 في البناية رقم 51 وفيلا أخرى في شارع (أبو الفداء)، وقد تعززت هيئة التدريس باستقدام الشيخ الجزائريّ ناصر المرموري من (وادي ميزاب) ليدرِّس الفقه الإباضي، حتى لا يتشتت الطلبة بتشعب المدارس الفقهية والرؤى الفكرية المتضاربة وما أكثرها في هذا الوقت حيث كان بمصر عشرات العلماء الأزهريين الذين ينتمون إلى مدارس فقهية مختلفة كالغزالي والشعراوي والشيخ عبد المنعم النمر والشيخ أحمد حسن الباقوري.. إلخ.
لقد كان معظم العمانيين المتواجدين بالقاهرة للدراسة أو العلاج أو الزيارة كانوا يأتون إلى هذه التصبيحة بعد صلاة العيدين (الفطر والأضحى)، ويجتمعون على وليمة الشيخ طالب بن علي الهنائي، وكان الإحساس الذي يغمرنا في هذا اللقاءات أننا كنا نعيش أجواء عُمان وفرحة العيد فيها، ونشعر وكأننا في قلعة نزوى أو الرستاق أو حصن إبراء أوعبري.
إلا أنني في هذه التصبيحات لم ألتقِ بالشيخ محمد بن حمد الحارثي رغم أنه كان يسكن في أول الشارع، أما الشيخ صالح بن عيسى الحارثي فكان يسكن بمصر الجديدة؛ لذا كان معه عذره لعدم المشاركة، لكنني لاحظت مروره لزيارة الشيخ طالب الهنائي أثناء الأعياد ويبادله الشيخ طالب الزيارة في أوقات كهذه أومختلفة، كما كنت ألتقي بالسيد فيصل بن علي البوسعيدي حين يأتي لزيارة الشيخين طالب ويحي بن عبدالله النبهاني، وهذه المصادفة حولت مسار بعثتي الدراسية.
فلما أشَّر معالي فيصل بن علي البوسعيدي على أوراقي حين كان وزيرًا للتربية والتعليم عند حصولي على الثانوية العامة من مصر في 1974م موقِّعًا تحت عبارة: (يُخيَّر الطالب بين إكمال دراسته في بريطانيا أو المملكة الأردنية)، فما كان مني إلا أن أخذتني قدماي إلى مكتبه حيث أخذني منسقه الأخ سلمان السليماني بعد دقائق إلى مكتب سمّوه، فقال لي على الفور: (نحن نثق بكم) وتذكَّر لقاءاتنا بالقاهرة، ثم أعاد التأشير على أوراقي بعبارة (يُستثنى ويُبْتَعَث إلى القاهرة).
فعاد (سالم) إلى قاهرة المعز لدين الله الفاطميّ، التي رفعت جمال عبدالناصر وتعزَّز بها وأعزَّها، ورفعته دمشق على الأكتاف حين زارها بصفته رئيس الجمهورية العربية المتحدة التي طمست آخر شارة لها في علم الجمهورية ذي النجمتين في نوفمبر 2024 م وعاد سالم لحضن العروبة ومهوى حبِّه. وفي ظنّي فإن الشيخ (أبو إسحق إبراهيم أطفيش) كان ندًا للشيخ العلامة إبراهيم العبري سماحة مفتي سلطنة عُمان السابق. وربّما كان الشيخ أطفيش- رحمة الله عليه - يشارك في احتفالات ولقاءات العُمانيين وتصبيحات العيد بالقاهرة التي يحضّر لها الشيخ طالب الهنائيّ. والدليل أن والده الشيخ محمد أطفيش كان مشاركا في هذه اللقاءات.
وبهذه المناسبة أتذكر بعض ما حدث معنا من مواقف طريفة أقصّها هنا لأطرد الملل عن القارئ وتلطيف الأجواء، لقد تبيّن لنا وللأخ سليمان الهنائي أنّ زميلنا محمد الحجري كان يحتفظ لنفسه بطبق من الأرز مُعزَّزا بقطعة لحم مختارة وكبيرة ويقول: إنه سيأكله بعد العودة من النادي الرياضي فاتفقنا أنا والأخ سليمان أن نقتسم هذا الطبق بعد أن نتأكد من ركوب الحجري الباص رقم 13 الذى سيأخذه للتمرين في النادي الرياضيّ بمنطقة الجبلاية التي تضم (ملاعب النادي الأهلي وبرج القاهرة ومجلس قيادة الثورة)، والذى انطلقت منه ملايين الجموع خلف جنازة الزعيم جمال عبدالناصر مودّعة، فاستخرجنا (طبق اللحم والأرز)، الذى أمَّنه الحجريّ جيدًا كوديعةٍ لننفرد بها بعد عناء، فأكلناه بنهم شديد وتركنا الطبق في حوض الغسيل، بعد أن صرنا متخمين. ولتخفيف آثار التخمة قررنا أن نقضي يومنا في جولة على الأقدام بمدينة القاهرة الكبرى فمددنا خطانا من مدرسة الإمامة لنعبر حي الزمالك من جهة جسر (أبو العلا)، ثم وصلنا إلى وسط القاهرة، عند تمثال إبراهيم باشا، ومنه إلى حي عابدين (مقر الحكم في العصر الملكيّ)، ثم خرجنا منه إلى شارع القصر العيني (كلية طب القاهرة حاليا)، ومنه إلى حي المنيل، وصولًا إلى (كبري - جسر الجيزة)، ومن ميدانها إلى جامعة القاهرة، ثم انطلقنا منها إلى حي (الدقي)، ثم إلى شارع البطل أحمد عبدالعزيز، لنلتف إلى شارع جامعة الدول العربية، وكنا عندما نتوقف للراحة نميل على أحد الأكشاك التجارية ودائما كان أصحابها يضعون أمامها صناديق مصنوعة من الزنك ومبطنة بالفوم ويملأونها بالثلج وزجاجات المياه الغازية، ونعبُّ منها ما شاء لنا، وهكذا في كل محة استراحة بين شوارع القاهرة. ثم قفلنا راجعين إلى حي الزمالك، ومن كبري/جسر الزمالك إلى شارع بهجت علي ثم انسحبنا في سير هادئ إلى المدرسة لنجد زميلنا الحجري قد توسَّد على سريره مُضربا عن الحديث ونحن سايرناه، فلم ننبس ببنت شفة، وظل في زعل وخصام قرابة شهر كامل على طبق من الأرز واللحم.
وإلى لقاء آخر في حديث عن العيد وذكرياته...
