كان – عبدالستار ناجي
تتالق النجمة التونسية الفرنسية حفصة حرزي في احدث افلامها – كلمات حب قليلة – التى ترسخ حضورها دائما كواحدة من الممثلات المقتدرات اللواتي يعرفن اسرار مهنتهن والمعايشة التامة والتقمص لابعاد الشخصيات التى تقدمها .
في فيلم – كلمات حب قليلة – للمخرج رودي روزنبيرج نتابع حكايةإريكا تربي طفليها بمفردها. ابنتها، أبيجيل، تقتنع بأن والدها، الذي لم تعرفه قط، يحبها سرًا في مكان ما. عندما تقرر أبيجيل البحث عنه، تشعر إريكا بدافع قوي لمساعدتها، وفي الوقت نفسه تحاول حمايتها. مع نمو أبيجيل، يتحول بحثها إلى هاجس، يجذب والدتها وصديقتها المقربة وكل من يهمها أمره إلى حياتها .
ونشير هنا الى انه وبعد أن ذاع صيته بفيلم "الطفل الجديد"، وهو فيلم ساحر ومؤثر عن مرحلة البلوغ، كان يحمل كل مقومات الفيلم الكلاسيكي لو حقق مبيعات أفضل عند عرضه، يواصل رودي روزنبرغ تصويره الرقيق لمرحلة المراهقة الهشة، والارتباك، والعلاقات المتضررة.
فيلم "كلمات حب قليلة "، الذي عُرض في قسم "نظرة ما" في مهرجان كان السينمائي، يواصل هذا النهج الحميم بروح دعابة آسرة وحساسية آسرة، من خلال تصويره كما اسلفنا طفلة تواجه الفراغ الذي تركه والدها الذي يرفض الاعتراف بها أو حتى مقابلتها.
منذ المشهد الافتتاحي، يُرسّخ الفيلم فرضيته الصارخة. من الشارع، تُنادي أم وابنتها أبيجيل على والد الطفلة البيولوجي، الذي تأمل أخيرًا في لقاء الرجل الذي لا تملك عنه سوى صورة.
يرفض الرجل فتح الباب رغم إصرار إريكا (حفصة حرزي) ودهاءها، متجاهلًا جهاز الاتصال الداخلي. يُصبح هذا الهروب اللامبالي والجبان بشكلٍ مُقلق الصدمة الأساسية لسردٍ يُتابع الطفلة وأمها لسنواتٍ عديدة في ضواحي باريس. مع نموها، تُحاول الفتاة الصغيرة فهم هذا الغياب، وبناء هويتها حول هذا الفراغ، بينما تبذل والدتها قصارى جهدها لتخفيف وطأة هذا الرفض الصامت .
يستكشف الفيلم، بإنسانية بالغة ودقة متناهية، رحلة البحث عن الهوية، والحاجة المُلحة للاعتراف من أحد الوالدين، ولكنه يُظهر أيضًا عجز الأم التي ترغب في حماية ابنتها (وابنها) من خيبات أمل العالم دون أن تتمكن من مداواة جراحٍ ما. يُصوّر رودي روزنبرغ هذه الهشاشة برقةٍ بالغة، متجنبًا الميلودراما لصالح مشاهد جميلة من الحياة اليومية، وحواراتٍ عفوية لكنها صادقة بشكلٍ لافت، ولحظاتٍ من الحيرة أو التواطؤ تُضفي على شخصياته حيويةً وجاذبيةً فورية . والاداء الاخاذ للفنانة المتميزة حفصة حرزي .
يعود الفضل في هذه الدقة العاطفية إلى حد كبير إلى التناغم الرائع بين الممثلتين. فبعد أن أسرت قلوب جمهور مهرجان كان العام الماضي بفيلم "الابنة الصغرى"، تعود حفصة حرزي إلى الشاشة لتجسد شخصية الأم العزباء بحنان وعاطفة جياشة. وفي المقابل، تبهر الممثلة الصاعدة، التي تؤدي دور ابنتها المراهقة، بأدائها الطبيعي وقدرتها على المزج بسلاسة بين الغضب والفكاهة والضعف .
فيلم "كلمات حب قليلة " مليء بالحيوية العفوية، والفكاهة الآسرة، والكرم الفائق، كما أنه يتجنب اختزال شخصياته إلى مجرد جراحها. وعندما تنفجر الشاعر أخيرًا في لحظاته الأخيرة، تلامس القلب بصدق نادر.
ويبقي ان فيلم – كلمات حب قليلة – ليس مجرد فيلم عن طفلة تبحث عن والدها بل هو تحليل دقيق للعلاقات الاجتماعية في المجتمع الفرنسي كتب واخرج ومثل بعناية فائقة تحترم وعي المشاهد وعقله .
