مراقي الجمال وفلسفة الإتقان!!

 

 

 

محمد عبد العظيم العجمي

 

في قراءة لفلسفة الجمال في القرآن، يأخذك القرآن إلى منهج مكتمل لا يعبر فيه قنطرة الجمال دون أن يقف ملياً على عالم الإتقان في الصنعة، والصدق في الأداء، والفائدة العلمية والعملية، ثم يسمو بهذه الصنعة إلى مرتبة الإحسان، ومنها إلى عالم الجمال والإبداع، هذا الذي يملأ النفس قناعة بالعمل المتقن، وسعادة بما تجليه جمالياته في النفس من الفن والزينة.

وفي هذه المراحل التي يعدد فيها القرآن، في أكثر من موضع لغة الصنعة في الكون والإنسان، ثم يستحث النظر والفكر كلاهما إلى التأمل الطويل، ثم التكرار في التأمل ليتأكد من دقة الصنع وعظمة الإتقان، ليكون هذا التأمل سلوكا تربويا يعلم الإنسان لغة اليقين في الأداء حتى درجة الإحسان، وليعاود الإنسان النظر فيما يقدم من صنعة وصناعة حتى يصل به حد الجمال.. فيقول:

"الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ.."، بعضها فوق بعض، ومع عظمة هذا الخلق المهيب، لا يكاد البصر يلمح فيه فطورا أو عيبا حتى يعلنه، بل مع التكرار والتأمل والتبصر لا يرجع البصر بعدها إلا حسيرا، لا يسلم إلا بدقة الصنعة مع إبهار الجمال وعظمة الإحسان: "فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ".

لكنه لا يتوقف هنا عند حد الضرورة أو الفائدة التي تعود على المخلوقات من وظيفة السماء، بل ينتقل إلى حال من الجمال، ثم (الزنية) وهي الحد الزائد عن المطلوب، أو عن حد الضرورة، على أن انعدامها لا ينقص من الوظيفة الأدائية شيئا، ولا يقدح في عظمة الصنعة؛ لكن اقتضت حكمة (الإبداع) ألا يكون العمل دون حد الإبهار: "وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ...".

وفي وظيفة أخرى أو فائدة أخرى لهذا الخلق العجيب (السماء) التي بنيت بقوة ودقة وحكمة: "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (الذاريات: 47)، التي يتنزل منها الماء فيستحيل خضرا وحبا متراكبا، ونخيلا صنوانا وغير صنوان، يسوق القرآن هذه الوقفة التأملية التي يتحول فيها هذا الماء النازل من السماء إلى لوحة فنية فائقة الجمال والإتقان: "أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا...".

إن هذه الحدائق المُلتفَّة المُتشابكة، قد خلقت مختصة بوظيفة (الإطعام)، وهو ضرورة طبيعية ملحة لبقاء الكائن الحي على الأرض، وقد كان يكفيها أن تكون طُعمةَ عادية لتؤدي وظيفتها الحيوية على الوجه المطلوب، لكن اقتضت حكمة الإبداع والجمال أن تترقى من الطعمة العادية المُستساغة، إلى هنيئة مريئة، ومن الهناءة والمراءة إلى طبقة عليا من الجمال "ذات بهجة"، أي انتقال من المتعة الذوقية من الفم إلى النظر.

وهذا النظر المتأمل المتجمل، يترجم هذه المتعة البصرية إلى متعة روحية في النفس، فينقلها من حال الجزع والقلق والاضطراب إلى حال الرواح والاستمتاع والسعادة.. هذا التحول النفسي العجيب؛ الذي طالما نصح به أطباء النفس وعلماؤها، حيث التحول المكاني الذي يغير كيمياء النفس من القنوط إلى السعادة والطمأنينة والراحة.

وتأمل لفظة الجمع هنا "حدائق" وهي موحية بالتعدد والتكرار كلما هطل المطر، وكأن يد القدرة الفائقة ترسم لوحة فنية بديعة على هذه الأرض المستقبلة، لتنقلها من حال هامدة، إلى الاهتزاز والإرباء والإنبات، ثم لتكون هذه البهجة الفنية الصارخة.

إن فلسفة العمل ودقة الأداء تمثل محورا فاصلا في الخطاب القرآني، الذي جاء ليعلم البشرية كيف تعمل وكيف تتقن، وكيف تصنع الحضارة بالانتقال من حد الضرورة والحاجة إلى حد الجمال والزنية، فيقول: "قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ..." [الأعراف: 32]، ثم فطر هذا الإنسان وألهمه الانتقال من هذه الحدود والأطوار إلى التي تليها، ليعلن أن تفوق الأمم لا يكون بالوقوف عند الحد الأدنى منها، لكنه عند أقصى حد يبلغه العقل البشري المؤمن، ليكون حاكما ومهيمنا على الأرض، ولذا ختم الآية بأن ذلك درس وتعليم للمؤمنين، لا أن يكونوا في ذيل الأمم :"قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ".

أما هذا الإنسان المخاطب بهذه اللغة البديعة المتأملة في الخلق والصنع، لم يكن عليه أن يرهق عقله ولا بصره ولا حواسه فيما حوله من الكون وبدائعه، إن أراد أن يختصر طريق الجمال فليتأمل سريعا في تقويمه وتسويته وخلقه في نفسه وقوامه: "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ" [السجدة: 7]، وكأن القرآن يقول للإنسان: إن لم يستوقفك هذا الإحسان الصارخ في الكون فتأمل خلقك الذي بدأ من طين.

وقد كان يكفيك لأداء مهمتك في الكون أن تكون على درجة متممة من الخلق تكفل لك أداء وظيفتك الكونية؛ إلا أنه نقلك من طور إلى طور ومن حال إلى حال ومن جمال إلى جمال، حتى صرت له خصيما مبينا، فأي غرور هذا الذي قفز بك هذه القفزة العجيبة، على حين أنك قبل لم تكن شيئا مذكورا، وقد كان الكون قبلك حيا مسبحا طائعا راضيا، فيقول: "يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ" (الانفطار: 6-8].

ولعله ثمة لبس في الفهم من أهل هذا الخطاب الذين انحرفوا به عن بعض لفتاته المربية، فأعرضوا واستكانوا، وزعموا أن الدنيا ليست بذات شأن حتى يجد الإنسان في السعي ويستحث الخطى في السير؛ بل هي سبيل عابر، وعارية مستردة، فمالنا وللزنية.

فكيف إذن يصف الله هذه الزينة بقوله "لعباده" وهي لام الملكية، وقوله: "للذين آمنوا في الحياة الدنيا"، فهل كانت اللام هنا إلا للاختصاص والملكية، وليعلم المؤمنون أنهم أمة "أخرجت للناس"، بل خير أمة، وقد أنيط بعنقها قيادة هذه البشرية لتعرفها بربها، ولتخرج بها من الظلمات إلى النور، وتهديها سبيل الرشاد.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z