لهذا يخشون عقولنا؟!

 

 

 

محمد عمار عيسى **

لماذا تتجبر هذه المركزية العالمية وتُحاول فرض وصايتها المطلقة على العالم؟ إن المتأمل في موازين القوى يدرك أنَّ سر هذه الغطرسة لا يكمن في مخازن البارود فحسب، بل في "المختبر" و"مركز الأبحاث". والسبب ببساطة هو: التكنولوجيا والعلم؛ فهما الحصن الذي يمنح القوة استدامتها، والشرعية التي يفرض بها الغرب هيمنته الثقافية والاقتصادية علينا.

إنَّ كسر شوكة التبعية لا يكون بالأماني أو الخطابات الرنانة، بل بقرار استراتيجي للتحول نحو العلم، الابتكار، والقراءة الناقدة. وإنَّ السيادة الحقيقية تبدأ من "الفكر"؛ فإذا تحرر العقل من قيود التقليد والتبعية، تحررت الأرض والقرار السياسي بالضرورة. وإذا كانت القوى الكبرى تتفاخر اليوم بقاذفاتها الاستراتيجية وطائراتها الشبحية، فنحن أمة تملك الجينات الحضارية القادرة على صنع ما هو أفضل، بشرط العودة لمواكبة التطور ونبذ الخرافات والتقوقع داخل الهُويات الفرعية المقيتة.

لقد حان الوقت لنرمي خلف ظهورنا صراع الهُويات الفرعية المقيتة؛ تلك السموم والدسائس التي بُثت في جسدنا لتفتيته وجعلنا "سُوقًا" لصراعات الآخرين. إن استحضار التاريخ ضروري هنا؛ لذا تذكروا أن استهدافنا اليوم ليس لاختلاف معتقداتنا، بل لكسر إرادتنا الحضارية ومنعنا من تشكيل كتلة معرفية مستقلة.

لذا فإن معرفة التاريخ ليست ترفًا، فمن لا يعرف تاريخه لا يملك مفاتيح مستقبله، وإن ما يجمعنا (رب واحد، ونبي واحد، قرآن واحد، وقِبلة واحدة) هو قوة جيوسياسية معطلة بفعل التشرذم، ثم إن العلم والعمل هما الوحيدان القادران على تمكين الأمة من تحريك خيوط عالمٍ، هو في حقيقته "أوهن من بيت العنكبوت" أمام إرادة الشعوب المتعلمة والواعية بحقوقها وموقعها في التاريخ.

ويبقى القول: علينا أن ندرك أن المعركة القادمة هي "معركة عقول"، وأن الاستقلال الحقيقي يُكتب في قاعات الجامعات ومعامل التكنولوجيا قبل أن يُكتب في معاهدات السياسة. (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ).

** كاتب سوري

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z