هزيمة صغيرة بطعم البسبوسة

 

د. أحمد بن علي المرهون

حين كنت أدرس في جامعة القاهرة في مصر، كنت أسكن شقةً مستأجرةً من رجلٍ مصريٍ طيب المعشر، رفيع الذوق، يحمل في ملامحه بساطةً أنيقةً وفي سلوكه كرمًا لا يحتاج إلى إعلان. كنت أذهب إليه كل شهرٍ لتسليم مبلغ الإيجار، في طقسٍ يتكرر، ويحتفظ بحرارةٍ إنسانيةٍ هادئة.

في أحد الأيام، استقبلني بحفاوةٍ أكبر من المعتاد، أدخلني إلى منزله، أجلسني في صالةٍ هادئةٍ، وقدم لي شايًا يفيض برائحة الأُلفة، وإلى جواره طبق بسبوسةٍ منزليٍ، تبدو عليه آثار العناية والمهارة وأنا أحب البسبوسة كثيرًا. ابتسم وقال بهدوءٍ واثقٍ: تفضل، اشرب الشاي.. وأنا رايح أصلي.

جلست أمام الشاي والبسبوسة، في لحظةٍ تبدو عاديةً، وتحمل في داخلها ما يشبه الفخ. أخذت القطعة الأولى، كانت لذيذةً إلى حدٍ يدعو للتأمل. ثم جاءت الثانية، لا بوصفها قرارًا، وتأتي كامتدادٍ طبيعيٍ للمتعة. وفي غفلةٍ من وعيي، كانت يدي تتحرك وفق منطقٍ آخر، منطقٍ يمكن تسميته بجوع اللحظة، أو شهوة الغفلة (ما هي دي بسبوسة يا عم).

كان هناك طفلٌ صغير، ابن صاحب البيت، يجلس في زاويةٍ ما، يراقب المشهد بعينٍ دقيقةٍ، عينٍ لا تعرف المجاملة، ولا تؤمن بالضيافة. عينٌ أقرب إلى كاميرا مراقبةٍ بشريةٍ، تسجل كل شيءٍ دون رحمة.

وفجأةً، انفجر صوته في المكان، كصافرة إنذارٍ وجوديةٍ (يا بابا يا بابا الحق، الضيف خلص على البسبوسة).

في تلك اللحظة، لم يعد الزمن كما كان. شعرت أن المكان يضيق، وأن الهواء نفسه يعاتبني. لم تكن مجرد جملةٍ قالها طفل، كانت إعلانًا صارخًا عن سقوطي الأخلاقي المؤقت أمام طبق بسبوسة.

توقفت يدي، تجمدت أفكاري، وبدأت أبحث في داخلي عن تفسيرٍ لما حدث. كيف لإنسانٍ يحمل وعيًا أكاديميًا أن يسقط أمام اختبارٍ بسيطٍ كهذا؟ كيف تتحول الضيافة من مساحةٍ للراحة إلى ساحةٍ للمحاسبة الدقيقة؟

بعد انتهى الأب من صلاته، ففهم المشهد بسرعةٍ، ووبخ الطفل بشدةٍ، محاولًا إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هيبة الضيف. عرض عليَّ المزيد من الأكل والشرب، بإصرارٍ صادقٍ، لكنني كنت قد دخلت في حالةٍ من الانكماش الوجداني. لم أعد قادرًا على الأكل، ولا حتى على الابتسام بنفس الطمأنينة السابقة.

سلمته مبلغ الإيجار، وخرجت، وأنا أحمل معي درسًا لا يُدرّس في الجامعات.

تعلمت أن الكرم ليس فقط ما يُقدم، ويشمل ما يُراقب. وتعلمت أن الطفل، في لحظة صدقٍ عفويةٍ، يمكن أن يهدم بناءً كاملًا من المجاملات الاجتماعية. وتعلمت، على نحوٍ أعمق، أن الإنسان ليس كائنًا عقلانيًا طوال الوقت، هو كائنٌ قابلٌ للانزلاق أمام قطعة بسبوسةٍ ساخنة.

ومنذ ذلك اليوم، صرت أكثر حذرًا أمام أطباق الضيافة. لا أتناول أكثر مما يسمح به التوازن الاجتماعي، ذلك المفهوم غير المكتوب الذي يحكم سلوكنا في حضرة الآخرين. فبعض الأطباق، مهما كانت لذيذةً، تحمل في داخلها امتحانًا خفيًا، لا ينجو منه إلا من امتلك شجاعة التوقف في الوقت المناسب.

وهكذا، بقيت البسبوسة في ذاكرتي، لا كحلوى شرقيةٍ فقط، وتتحول إلى حادثةٍ صغيرةٍ، كشفت لي أن الإنسان قد يخسر معركته الأخلاقية… أمام طبقٍ بسيط.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z