جاسم بن عيسى القرطوبي
قالوا: «لولا المُربي ما عرفت ربي»، وهي كلمة تختصر سرّ التكوين الإنساني؛ إذ لا يُولد الإنسان مكتمل الوعي بذاته، بل يتشكّل عبر يدٍ رحيمة، تُهذّب فكره، وتُوقظ قلبه، وتدلّه على المعنى قبل المظهر. ومن هذا المنطلق، يصبح تقدير الذات ليس مجرد شعور عابر، بل ثمرة تربية عميقة تُعلّم الإنسان كيف يرى نفسه بعين الحق لا بعين الوهم.
لقد قيل لي يومًا: «التقدير إما لجمال أو كمال أو مظهر إحسان»، وهي مقاييس درج عليها الناس؛ فمنهم من يُعظِّم الجمال الظاهر، ومنهم من يُجِلّ الكمال في الإنجاز، ومنهم من يقدّر من يُحسن إليه. غير أنَّ هذه المعايير- على وجاهتها- تبقى قاصرة إن لم تتجاوز ظاهر الإنسان إلى جوهره. أما نحن، فنرى أن تقدير الإنسان يبدأ من كونه إنسانًا.
لا لجمالٍ سوى جمال روحه، ذلك النور الخفي الذي لا تُدركه العيون؛ بل تشعر به القلوب. ولا لكمالٍ سوى كمال إنسانيته، في صدقه، ورحمته، ووعيه بضعفه قبل قوته. ولا لإحسانٍ سوى أن يُعامَل الإنسان بالإحسان، لأنَّ الإحسان ليس ردّ فعل، بل أصلٌ من أصول الوجود. إن تقدير الذات الحق لا يُبنى على مقارنة، ولا يقوم على تصفيق الآخرين، بل ينبع من إدراك عميق: أنك مكرّم لذاتك، لا لشيء خارج عنك. وهنا يتجلّى المعنى القرآني البليغ: «وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان»، فحين تُحسن إلى نفسك بمعرفتها، وقبولها، وتهذيبها، فإنك تحصد إحسانًا مضاعفًا في سلامك الداخلي وعلاقتك بالناس.
إنَّ الإنسان الذي يعرف قدر نفسه لا يتكبّر، لأنه يدرك أن قيمته ليست تفوقًا على غيره، بل اتصالٌ بمعناه. ولا يحتقر نفسه، لأنه يعلم أن فيه نفخة من كرامة لا تُشترى ولا تُقاس. وهكذا، يكون المربي الحقيقي- بالكلمة أو بالموقف- هو من ينقلك من طلب التقدير من الخارج، إلى اكتشافه في الداخل. ومن رؤية نفسك بعين الناس، إلى رؤيتها بنور البصيرة. فمن عرف نفسه بحق، قدّرها بحق… ومن قدّرها بحق، أحسن إليها… ومن أحسن إليها، عاش إنسانًا كامل الإنسانية.
وكمثال حي على هذا المعنى الإنساني ما عُرف عن أهل عُمان من مكارم الأخلاق، حتى ضُرب بهم المثل في اللين والحلم. وقد ورد في صحيح مسلم عن النبي ﷺ في وصفنا: «لو أن أهل عُمان أتيت ما سبّوك ولا ضربوك»، وهو وصف يدل على سموّ الطبع، ورجاحة الحِلم، ونقاء السريرة. ولم تكن هذه الأخلاق طارئة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من الإنسانية الهادئة التي لا تتكلف الفضيلة، بل تعيشها؛ فالضيافة مثلا والحِلم، وضبطُ النفس، والتكافل، والصدقُ في المعاملة؛ ليست مجرد خصالٍ عابرة، بل هي ملامحُ روحٍ تربّت على تقدير الإنسان لذاته قبل غيره، حتى صار الإحسان فيها طبعًا لا تكلّفًا، وخُلُقًا لا تصنّعًا.
هذه الأخلاق ليست مجرد عادات اجتماعية، بل هي انعكاس عميق لفكرة تقدير الإنسان لذاته في عرفنا العماني العربي الأصيل؛ فالعماني حين يُحسن إلى غيره، إنما يُعبّر عن قناعة راسخة بأن الإنسان- أيّ إنسان- يستحق الإحسان.
عمومًا هنا يلتقي العام بالمعنى الخاص في سطوري هذه بين تربيةٍ تُعلّمك أن ترى نفسك بنور الكرامة، ومجتمعٍ يُجسّد هذا المعنى في سلوكنا اليومي، وتلك هي أعلى مراتب التقدير.
