مضيق هرمز وإعادة تعريف السيادة

 

 

 

أنور الخنجري

alkhanjarianwar@gmail.com

 

 

في خضمّ حربٍ تتجاوز حدود الميدان العسكري لتُعيد رسم موازين القوة، لم يعد مضيق هرمز مجرّد ممرٍّ للعبور؛ بل فضاءً تُعاد فيه صياغة معنى السيادة. فبين خيار الإغلاق والإعلان عن الفتح بقرارٍ أحادي الجانب، تطرح إيران مُعادلةً جديدة مفادها أنَّ التحكم بالممرات الحيوية لم يعد أداة ضغط ظرفية فحسب؛ بل تعبيرًا مباشرًا عن سلطة القرار في لحظة الصراع. وعلى هذا الأساس، ينتقل توظيف المضيق من ورقة ضغط إلى أداة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية.

إن إعلان فتح المضيق وإغلاقه خلال الهدنة- بقرارٍ إيراني صريح- يحمل دلالات تتجاوز الاقتصاد ومنطق طمأنة الأسواق أو الاستجابة للضغوط الخارجية. إنها رسالة سيادية واضحة: طهران هي التي تُحدِّد متى يُفتح المضيق ومتى يُغلق، وفق حسابات استراتيجية. الرسالة هنا لا تُقرأ بوصفها إجراءً اقتصاديًا؛ بل بوصفها تعبيرًا عن السلطة. فحين تُعلن دولة أنها تفتح ممرًا دوليًا "بقرارها"، فإنها لا تتكلم عن الجغرافيا فحسب؛ بل عن النفوذ. عندئذٍ، لا يعود المضيق مجرد ممر دولي؛ بل يتحول إلى مساحة نفوذ وأداة تفاوض.

في هذا السياق، تبرز معادلة ضمنية: من يملك القدرة على الإغلاق يملك شرعية الفتح، ومن يفتح لا يمنح تنازلًا؛ بل يفرض شروطَ المرور ويحدد قواعده. وهنا يُعاد تعريف "الحرية الملاحية" لا كحق مطلق؛ بل كامتياز مشروط بإرادة الفاعل المسيطر. كما تكشف هذه التطورات أن الحصار لم يُكسر عسكريًا؛ بل أُعيدت صياغته سياسيًا، ليغدو ساحة تفاعل تُعاد فيها كتابة الأدوار. وبهذا، لا تكتفي إيران بمقاومته؛ بل تعمل على تفكيك معناه وإدماجه ضمن معادلة تفاوض أوسع.

هذه الرسالة لا يقتصر مفهومها على القوى الكبرى وحدها؛ بل تمتد إلى دول المنطقة أيضًا. فإدارة مضيق هرمز بهذه الطريقة تعني ضمنًا أن أي ترتيبات أمنية أو اقتصادية في الخليج لا يمكن أن تتجاهل الدور الإيراني. وفي المقابل، يفرض هذا الواقع تحديات إضافية؛ إذ إن تحويل ممر دولي إلى أداة سيادية قد يفتح الباب أمام توترات جديدة إذا ما اعتُبر تهديدًا مباشرًا لمصالح أطراف أخرى.

غير أن هذا الأمر يفتح سؤالًا جوهريًا: هل نحن إزاء تمهيد لمواجهة عسكرية أكثر عنفًا، أم أمام هندسة جديدة لإدارة الصراع دون الانزلاق إلى حرب شاملة؟ تبدو الإجابة، على ما يرجّح، مترددة بين خيارين، وليست حاسمة في الميل إلى أحدهما بشكل قاطع؛ بل تنزاح نحو منطقة رمادية دقيقة يمكن تسميتها "حافة الهاوية"؛ فالخطوة الإيرانية، رغم ما تحمل من دلالات سيادية، لا تبدو مصممة لتفجير مُواجهة مباشرة بقدر ما ترمي إلى إعادة ضبط قواعد الاشتباك. إن فتح المضيق خلال الهدنة ليس سلوك طرف يسعى إلى تقويض شرايين الاقتصاد العالمي؛ بل مسعى لإثبات أن تلك الشرايين لا تمُر إلّا وفق قراره. وعليه تتشكَّل محاولة لفرض منطق ردع جديد: التحكم دون الإغلاق.

ومع ذلك، فإنَّ هذا اللون من الاستراتيجيات يظل بطبيعته شديد الحساسية، عالي المخاطر؛ لأن إدارة التوتر على هذا المستوى تتطلب دقة فائقة في الحسابات. فحين ترتفع القدرة على التحكم، ترتفع أيضًا قابلية وقوع الخطأ. وتكمن المفارقة في أن أي احتكاك غير محسوب- سواء في البحر أو في الخطاب السياسي- قد يقفز بسرعة من سياق الإدارة إلى سياق الانفجار.

في المقابل، تُدرك القوى الدولية أن الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة في هذا الممر الحيوي سيكون له ثمن عالمي باهظ؛ فالكلفة لا تتحدد عند حدود الطاقة وحدها؛ بل تمتد إلى استقرار النظام الدولي برمته. لذلك، يلوح- ولو على نحو غير مُعلن- وجود إرادة إقليمية ودولية لضبط التصعيد ضمن سقفٍ يمكن احتواؤه ومنع تسرّبه إلى حرب شاملة.

وفي محصلة الأمر، لا يشير ما نشهده بالضرورة إلى اقترابٍ حتمي من حربٍ شاملة، بقدر ما يكشف عن تشكّل نمط جديد من الصراع يُدار على الحافة؛ حيث تُستثمر أدوات السيادة والاقتصاد والجغرافيا كبدائل عن المواجهة المباشرة. غير أن هذا النمط من الصراع، رغم ما يتيحه من قدرة على التحكم، يظل هشًّا بطبيعته، وقابلًا للانكسار متى اختلّت الحسابات أو أُسيء تقدير الإشارات. وهكذا، لا يعود السؤال المطروح: هل تندلع الحرب؟ بل: إلى متى يُمكن إبقاء هذا الوضع الهش قائمًا قبل أن ينزلق إلى ما هو أسوأ منه؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z