◄ السفير الصيني بالجزائر: التبادل الحضاري هو مفتاح حل المشاكل التي تواجه البشرية
◄ الطائي يدعو إلى بناء شراكة شاملة مع الصين تتجاوز التجارة التقليدية
◄ الدوسري: طريق الحرير القديم كان جسرا للتواصل العميق بين الحضارات
الجزائر- ناصر العبري
انطلقت بالجزائر فعاليات "الندوة الدولية الأولى حول التبادل الحضاري والتعلم المتبادل بين الصين والدول العربية الإفريقية"، بالتزامن مع أعمال "الندوة الدولية الرابعة حول التبادل الحضاري والتعلم المتبادل بين الصين والدول العربية"، بتنظيم مشترك بين جامعة الجزائر 3 وجامعة شمال غرب الصين وجامعة فودان، وبالتنسيق مع سفارة جمهورية الصين الشعبية لدى الجزائر.
وألقى سعادة دونغ جوانغلي، سفير جمهورية الصين الشعبية لدى الجزائر، كلمة افتتاحية قال فيها إن العالم يشهد تحولات عميقة لم يشهدها منذ قرن، مشيرًا إلى عودة خطابات الأحادية وصراع الحضارات. وأضاف: "باتت الدول أكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى التوحد والتعاون لتجاوز الحواجز بعقلية منفتحة، والاهتمام بمصير البشرية بروح كريمة".
وأشار السفير إلى مبادرة النقاط الخمس التي طرحتها الصين وباكستان مؤخرًا لاستعادة السلام في الخليج والشرق الأوسط، التي تدعو إلى وقف إطلاق النار، وإطلاق مفاوضات السلام، وضمان سلامة الممرات المائية. وقال: "الحوار والتشاور هما السبيل الصحيح الوحيد لحل الأزمات، والتبادل الحضاري هو مفتاح حل المشاكل المشتركة التي تواجه البشرية".
وأوضح أن انعقاد الندوة يتزامن مع "عام التبادلات الشعبية بين الصين وإفريقيا"، ومع قرب انعقاد القمة الصينية العربية الثانية في الصين هذا العام، معربًا عن أمله أن تشكل الندوة "توافقًا أكاديميًا للقمة وضخ زخم فكري في التعاون".
واختتم دونغ بالتأكيد على أن "الحوار بين الحضارات ليس تصديرًا من جانب واحد، بل تبادل ثنائي الاتجاه، وليس وعظًا متعاليًا، بل تواصل متكافئ وصادق"، داعيًا العلماء للبحث عن إجابة لسؤال العصر: "كيف يمكن للحضارات المختلفة أن تتعايش بانسجام؟".
من جانبه، استعرض حاتم بن حمد الطائي، رئيس تحرير جريدة الرؤية العُمانية، عمق العلاقات العُمانية الصينية، مؤكدًا أن "العُمانيين كانوا روادًا في مد جسور التواصل مع الشرق منذ القرن الثامن الميلادي" عبر التاجر أبو عبيدة عبد الله بن القاسم.
وأشار الطائي إلى الرحلات الاستكشافية السبع للأدميرال تشنغ خه في القرن الخامس عشر، التي شكلت "دليلًا على التقاء المسارات الحضارية بين الشرق الأقصى والخليج العربي"، لافتًا إلى الدور المحوري للعُمانيين في تعزيز التبادل التجاري والثقافي.
وأضاف أن العلاقات تطورت بشكل غير مسبوق بعد نهضة عُمان في السبعينيات، وتُوّجت بإعلان الشراكة الاستراتيجية عام 2018 بين مسقط وبكين، والتي اعتبرها "محطة مفصلية ونموذجًا متوازنًا للتعاون الدولي يرتكز على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة".
ودعا الطائي إلى بناء شراكة شاملة تتجاوز التجارة التقليدية لتشمل التكنولوجيا الحديثة، والطاقة المتجددة، والتعليم، والثقافة، مستفيدًا من حجم التبادل التجاري الذي يتجاوز 400 مليار دولار سنويًا بين الصين والدول العربية، مشددًا على ضرورة تنويع الصادرات العربية لتشمل المنتجات الصناعية والزراعية، وتشجيع الاستثمار في البُنى التحتية ضمن مبادرة الحزام والطريق، إضافة إلى التعاون في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي لمواكبة الرؤى الاستراتيجية العربية.
وأشاد الطائي بالموقف الصيني الراسخ الداعم للحقوق العربية وفق مقررات الشرعية الدولية، وبدور بكين في "الوساطة الناجعة بين إيران والسعودية"، مؤكدًا أن العلاقات العربية الصينية تحقق المصلحة المشتركة لشعوبنا كافة.
واختتم الطائي كلمته بدعوة أهل الثقافة والإعلام ليكونوا "خير داعم لمسيرة تطور هذه العلاقات وبناء جسور الشراكة والإخاء"، مقدمًا الشكر للقائمين على المؤتمر.
بدورها، ألقت الدكتورة فاتن الدوسري، باحثة ومحللة في الشأن الصيني من مملكة البحرين، كلمة قالت فيها: "يُعد ترسيخ نظام الحوكمة العالمية من الأولويات الرئيسية للرئيس (شي جين بينغ) منذ توليه قيادة الصين في العام 2013، من أجل إحداث إصلاح شامل حقيقي للنظام الدولي القائم -وليس تحديه- وتوطيد المساواة والعدالة بين الدول، وتعزيز السلام والأمن والاستقرار العالمي".
وأضافت: "طرح الرئيس شي جين بينغ منذ توليه القيادة عدة مبادرات عالمية رامية إلى تعزيز الحوكمة العالمية بأبعادها المتنوعة، مثل مبادرة التنمية الدولية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة التعاون العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية. وفي سبتمبر عام 2025، توّج الرئيس شي جين بينغ تلك الجهود بطرح (مبادرة الحوكمة العالمية) رسميًا كرؤية استراتيجية عامة شاملة لإصلاح النظام الدولي والتصدي لتحدياته الخطيرة المختلفة، ترتكز على عدة مبادئ أساسية، على رأسها: المساواة التامة في السيادة بين الدول لضمان مشاركة جميع الدول بشكل متساوٍ في النظام الدولي ومؤسساته وصنع معاييره وقواعده، وهو ما بات يُطلق عليه دمقرطة العلاقات الدولية، وترسيخ سيادة القانون الدولي لتوخّي العدالة والاستقرار والسلام في العالم، وتكريس التعددية كمنطلق للمساواة وتعزيز التضامن والتعاون، وأخيرًا محورية دور الشعوب والإنسان بصفة عامة في نظام الحوكمة العالمي الجديد، بما يضمن حقوق الشعوب الإنسانية الأساسية، وتعزيز مشاركتها في التنمية، وإرساء الانفتاح والتطور والإبداع عبر تواصل الشعوب بعضها البعض".
ولفتت الدكتورة فاتن الدوسري إلى أن الحضارة والثقافة الصينية العريقة تشكل المنطلق الرئيسي للحوكمة العالمية؛ ففي حضارة الصين القديمة، أو المملكة الوسطى، كانت الجدارة والكفاءة المعيار الرئيسي الوحيد للاختيار بغض النظر عن الوضعية الاقتصادية والاجتماعية، وكانت سيادة القانون سيادة مطلقة، وروح الإخاء والتعاون والعمل المشترك والتسامح جوهر المجتمع وأساس الازدهار والاستقرار.
وأضافت: "لم تتوقف الحوكمة الصينية عند هذا الحد، بل آمنت ورسخت مسألة التبادل الإنساني والحضاري والتعلم المتبادل كمنطلق حيوي لا غنى عنه للإثراء الفكري والإنساني والحضاري والسلمي والتجاري؛ إذ تؤمن التقاليد الصينية المستمدة من الثقافة الكونفوشيوسية العريقة بأن التواصل والتكامل بين الحضارات والثقافات يشكل أساس الفهم العميق المشترك للآخر، وإرساء السلام والازدهار الاقتصادي، إلى جانب إثراء ثقافة وحضارة كل من الآخر، انطلاقًا من الإيمان الراسخ بأنه لا توجد حضارة أعظم من الأخرى، فلكل حضارة خصوصية ومنجزات خاصة، ومن ثم فالتواصل العميق بين الحضارات أمر حتمي للتعلم والإثراء والتطور المتبادل، وترسيخ السلام والاستقرار، لكن في إطار الحفاظ على "الخصوصية الثقافية لكل حضارة".
وتابعت الدوسري قائلة: "جسد طريق الحرير القديم جوهر الفكر الصيني للحوكمة العالمية؛ إذ لم يكن طريقًا للتجارة فقط، بل جسرًا للتواصل العميق بين الحضارات القديمة المختلفة (الصينية، والعربية، واليونانية، والفارسية، والهندية). فخلال فترة الطريق التي دامت نحو 1500 عام، شهد التواصل الثقافي والفني والفلسفي والديني والمعرفي والصناعي بين تلك الحضارات نموًا واسعًا جدًا، حيث أثرت الصين بثقافتها وخبراتها في تلك الحضارات، ونقلت منها "صناعة الورق" على سبيل المثال، وتأثرت الصين أيضًا بتلك الحضارات في جوانب فلسفية وصناعية وإدارية وعلمية متنوعة. وكنتيجة لذلك، شهدت حقبة طريق الحرير القديم فترات واسعة من الازدهار والسلام والاستقرار العالمي، نادرة الحدوث في تاريخ العلاقات الدولية المسطر في جانبه الأكبر بالفوضى والحروب والصراعات والعنف والكراهية والمؤامرات وإهدار كرامة الإنسان والقانون الدولي".








