د. عبدالله بن سليمان بن عبدالله المفرجي
وبعد تلك الرحلة في حلقات ثلاث سابقة شائقة، تجولنا فيها بين الدهشة والإعجاب؛ حيث تتلاقى الأحداث والأفكار في لحظة مثيرة لا تُنسى، يبرز لنا في الأفق سؤال جوهري: من يقود هذه الإصلاحات؟
تظهر لنا وتلوح في الأفق من أعجب التناقضات أن نرى على رأس بعض كليات التربية من لم يسبق له أن وقف في فصل دراسي، أو واجه تلميذًا مشاغبًا، أو ضعيفا في تحصليه الدراسي، أو عانى من ضغوط المناهج والامتحانات والإدارة المدرسية. فكيف لمن لم يعان مرارة التدريس أن يخطط لسياسات برامج إعداد المعلمين؟ وكيف لمن لم يذق حلاوة التأثير في الأجيال أن يوجه من سيتولون هذه المهمة الجليلة الصعبة؟ إنه اقتراح ثوري بكل ما تحمله الكلمة من معنى ودلالة، أن يكون عمداء كليات التربية من قدماء المعلمين والمعلمات المتميزين، أولئك الذين قضوا سنوات في غمار الميدان، وخاضوا تجارب التدريس في مختلف الظروف، وبرزوا في التطوير والابتكار التربوي، وأثبتوا جدارتهم في صناعة الفرق الحقيقي في حياة طلابهم. فإذا تصدر هؤلاء القيادة، فإنهم سيكونون أقدر الناس على فهم احتياجات المعلمين، وأدرى الناس بمشكلات الميدان، وأعرف الناس بسبل التطوير الحقيقي. وقد أشارت دراسة حديثة إلى أن قيادة كليات التربية من قبل خبراء ميدانيين تحسن جودة البرامج (Bryk et al., 2023).
كما يمكن أن يمتد هذا المبدأ إلى الهيئات الإشرافية في وزارات التربية والتعليم، فتصبح أغلب المناصب القيادية التربوية فيها حكرًا على من مروا بتجارب التدريس الميداني الناجح، لا على من قضوا حياتهم خلف المكاتب الإدارية يوقعون الأوراق ويصدرون القرارات من برج عاجي. فالمشرف التربوي الذي لم يسبق له أن أدار فصلًا دراسيًا حيا، لن يكون قادرًا على توجيه المعلمين وإرشادهم بكل منهجية واقتدار، ولن يفقه شيئًا من همومهم وتحدياتهم ومعانتهم كأمواج البحر المتلاطمة، لا تهدأ إلا حين تتعلم السفن فن الركوب على الظلال والعواصف، وسيظل قراره بعيدًا عن الواقع الحقيقي، وكلمته هامشية لا تأثير لها. تهدم قواعد التعلم، وتترك الطلاب تائهين بين الظلال والفراغ، فيذوب البناء التربوي، وتذبل ثمار المعرفة قبل أن تنمو. تترك الفضاء التربوي في صمتٌ قاتل في قلب العملية التعليمية، يقتل الفهم قبل أن يولد.
وقد طبقت فنلندا هذا المبدأ بنجاح واقتدار (Finnish National Agency for Education, 2024).
ولا يمكن إصلاح كليات التربية بمعزل عن محيطها، فالأمر يتطلب حتما بناء شراكات حقيقية مع المؤسسات المعنية المتخصصة من ذوي الخبرة والتجربة. ولعل من الأفكار الواعدة في الميدان إنشاء "المدارس المعملية المتكاملة" التابعة لكليات التربية، والتي لا تقتصر على كونها مواقع للتدريب الميداني العملي فحسب، بل تمثل مختبرات حية للابتكار التربوي. في هذه المدارس، يتم تطبيق وتجريب أحدث المناهج وطرق التدريس والتقنيات التعليمية الحديثة، تحت إشراف مشترك من الجامعة ووزارة التعليم. وتكون هذه المدارس بمثابة مراكز نشر للابتكارات الناجحة الملهمة، ونماذج يُحتذى بها للمدارس الأخرى. وقد أنشأت جامعة هلسنكي شبكة من المدارس المعملية، وكان لها دور كبير في تطوير التعليم الفنلندي (University of Helsinki, 2024). كما أن إشراك المعلمين المتميزين في تطوير المناهج يسهم في ربطها بالواقع الحي وبتحديات التعليم ومتطلباتها الضرورية (Zeichner et al., 2023).
وفي مجال البنية التحتية، لا بد من نقلة نوعية تواكب العصر والتطور. ومن الأفكار الرائدة في المضمار التربوي إنشاء مختبرات المحاكاة التعليمية التي تستخدم تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز مع تقنيات ثلاثية الأبعاد، والتي تحوّل المحتوى التعليمي من مجرد نصوص وصور إلى تجارب حسية غامرة تزيد من دافعيتهم ومستوى التعلم لديهم. لتدريب الطلاب المعلمين على إدارة المواقف الصفية الصعبة في بيئة رقمية آمنة. يمكن للطالب المعلم أن يتدرب على التعامل مع الطلاب المشاغبين، أو إدارة نقاش حاد، أو تقديم درس لطلاب من خلفيات متنوعة، مع إمكانية تكرار التجربة وتلقي تغذية راجعة مباشرة وفورية. وقد أنشأت جامعة سنغافورة الوطنية مختبرات محاكاة متطورة أثبتت فعاليتها وتفوقها وجدوها في الحق التربوي (National Institute of Education Singapore, 2024). كما يمكن إنشاء "فصول المستقبل" داخل كليات التربية، وهي فصول دراسية نموذجية مجهزة بأحدث التقنيات التعليمية، وتصميمات الأثاث المرنة التي تسمح بتطبيق استراتيجيات التدريس المتنوعة، ليمارس الطلاب المعلمون التدريس في بيئة تحاكي أفضل الممارسات العالمية المبتكرة.
أما استعادة مكانة المعلم في المجتمع، فهي مهمة لا تقل صعوبة عن سابقاتها. من الأفكار الإبداعية إطلاق مبادرة "المعلم سفيرًا"؛ حيث يتم اختيار نخبة وكوكبة من المعلمين المتميزين المبتكرين لتمثيل البلاد في المحافل الدولية، والمشاركة في المؤتمرات التربوية العالمية، وزيارة المدارس المتميزة في الخارج، ونقل خبراتها إلى الزملاء. هذه المبادرة تمنح المعلمين فرصة للتطور المهني الرفيع العلمي، وتعزز شعورهم بالفخر بمهنتهم والولاء لوظيفتهم وطنهم، وتقدم نماذج ملهمة للطلاب الراغبين في الالتحاق بالتعليم العالي لمواصلة الدراسات العليا في بيئات تعليمية متطورة. كما يمكن تطوير جوانب وحوافز "جائزة المعلم المُبتكِر" على المستوى الوطني، المعمول بها في سلطنة عمان بوزارة التعليم والتي تمنح للمعلمين الذين يقدمون حلولًا إبداعية لتحديات التعليم، وتبث ابتكاراتهم عبر وسائل الإعلام، بيد أننا نناشد هنا تدرس المشاريع الفائزة في كليات التربية كنماذج يُحتذى بها. وقد أثبتت تجارب الإمارات والسعودية نجاح هذه الجوائز في تحفيز المعلمين وتكريم المتميزين.
وهكذا تتكامل عناصر الإصلاح، من القيادة الواعية، إلى الشراكات الفاعلة، إلى البنية التحتية المتطورة الحديثة، إلى استعادة المكانة الاجتماعية للمعلم. لكن هذا كله يظل ناقصًا إذا لم نستشر المستقبل، ونعد معلمينا لعصر مختلف تمامًا عما نعيشه اليوم؛ فالمعلم الذي لا يتطور لا يستطيع تحسين ممارساته، ولا تلبية متطلبات القرن الحادي والعشرين، مما يؤثر على جودة التعلم ونواتج الطلاب ومستوياتهم ودافعيتهم نحو التعلم والذي يعد أمرًا أساسيًا لتكييف استراتيجيات التدريس، حيث يساهم في تعزيز التحصيل الأكاديمي وبناء بيئة تعلم محفزة ومشوقة.
