الحمد لله على نعمة علمائنا

عمر بن قاسم السالمي

الأمم ليست كيانات مادية تقوم على الجغرافيا وحدها، ولا تجمعات بشرية تحفظها القوانين فحسب، بل هي منظومات معنى قبل أن تكون منظومات مؤسسات. وحين يختل المعنى، ويضطرب الميزان الذي يزن به الناس أفكارهم ومواقفهم، تبدأ الأمة في فقدان تماسكها الداخلي، ولو بقي ظاهرها متماسكًا. إن أخطر الانهيارات ليست تلك التي تُرى في الاقتصاد أو السياسة، بل تلك التي تتسلل إلى الوعي، فتبدّل المعايير، وتخلط بين الغلو والغيرة، وبين الثبات والجمود، وبين الحرية والانفلات.

وقد قرر ابن خلدون في مقدمته أن فساد المعاني يسبق سقوط العمران، وأن الدول إنما تقوم بالقيم الجامعة، فإذا فسدت معانيها تفككت ولو بقيت جدرانها قائمة. وهذه القاعدة تضيء لنا فهم الدور الحضاري للعلم وللعلماء؛ فحراسة المعنى أعمق من حراسة البنيان.

من هنا كان العلم في التصور الإسلامي أصلًا في البناء الحضاري، لا فضيلة ثانوية. فالقرآن حين قرر معيار التفاضل قال:

قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ

فجعل الفارق الحقيقي بين الناس في الوعي والبصيرة، لا في الضجيج أو الادعاء. ثم أكد المعنى بقوله تعالى:

يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

فربط الرفعة بالعلم، لا بوصفه سلطة، بل بوصفه مسؤولية. فالعالم يُرفع لأنه يحمل عبء ضبط الاتجاه، وحراسة الفهم، ومنع الانحراف قبل أن يتحول إلى تيار.

النص الديني ثابت، لكن فهمه متحرك، وهنا تكمن خطورة اللحظة التاريخية في أي مجتمع: من الذي يضبط هذا الفهم؟ من الذي يصل بين النص وروحه، وبين الحكم ومقصده، وبين الثابت ومتغيرات الواقع؟

علماء الدين، حين يكونون راسخين في العلم، لا يضيفون إلى النصوص شيئًا، لكنهم يمنعون عنها التحريف، ويحولون دون أن تُستعمل خارج سياقها أو تُختزل في شعارات تخدم الاستقطاب. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:

من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين

فجعل الفقه علامة خير؛ لأن الفقه هو القدرة على رؤية العمق، لا الوقوف عند السطح.

وإذا انتقلنا إلى التجربة العمانية، وجدنا أن دور علماء الدين لم يكن هامشيًا في مسار الدولة والمجتمع، بل كان عنصرًا بنيويًا في تشكيل العقل الجمعي. فقد عرفت عمان عبر تاريخها تنوعًا فقهيًا ومدرسيًا، غير أن هذا التنوع لم يتحول إلى صراع وجودي، ولم يُستثمر في صناعة انقسام، بل ظل في إطار الثراء العلمي والاجتهاد المسؤول. ولم يكن ذلك مصادفة تاريخية، بل ثمرة مدرسة علمية رسخت أن وحدة المجتمع مقصد، وأن إدارة الخلاف جزء من الدين لا خروجًا عليه.

لقد ساهم علماء عمان، من مختلف المدارس الفقهية والتيارات العلمية، في بناء خطاب ديني يميل إلى التأصيل قبل الإثارة، وإلى التهدئة قبل التعبئة. فلم يتحول المنبر إلى منصة استقطاب، ولم تصبح الفتوى أداة تحريض، بل بقيت مرجعية تضبط ولا تُلهب، وتجمع ولا تفرق. فالعالم الراسخ لا يُعرف بقدر ما يثير، بل بقدر ما يضبط؛ يطفئ جذوة الخلاف قبل أن تستعر، ويهذّب الخطاب قبل أن ينحدر، فيصون المجتمع من الانقسام دون أن يطلب حضورًا صاخبًا.

وعلى امتداد التاريخ العماني، قامت في هذا الوطن مدرسة علمية جامعة، أسهم في بنائها علماء من مختلف المدارس الفقهية، فتكاملت جهودهم رغم تنوع مناهجهم، واجتمعوا على مقصد أعلى: صيانة الدين، وحفظ وحدة المجتمع، وترسيخ ميزان أخلاقي يضبط الخلاف ولا يحوّله إلى انقسام. لم يكن التنوع سببًا للتنازع، بل مصدر ثراء في الفهم، وسعة في الاجتهاد، وعمقًا في التأصيل، حتى تشكل عبر الزمن وعي ديني متزن يقدم المقاصد الكبرى على الجزئيات.

وفي سياق هذه المدرسة العلمية الجامعة، يبرز علماء العصر في هذا الوطن جميعًا بوصفهم امتدادًا لذلك الإرث المتراكم، يحملون ميزان العلم جيلاً بعد جيل، ويجتهدون في وصل الثابت بواقع متجدد، وصيانة الفهم من الانحراف. وعلى رأسهم سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، الذي مثل في حضوره العلمي مرجعية جامعة تؤكد أن وحدة المجتمع فوق كل خلاف، وأن الاعتدال ليس تنازلًا عن المبادئ، بل ثمرة فهم راسخ لها، وحسن تنزيل لها على واقع الناس.

الحمد لله على نعمة علمائنا جميعًا، بمختلف مدارسهم ومناهجهم، الذين أسهموا في بناء وعي متزن، وصاغوا منهجًا في إدارة الاختلاف، وجعلوا من العلم سياجًا يحمي الهوية، ومن الحكمة جسرًا يعبر به المجتمع تحولات الزمن بثبات واتزان.

 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z