صالح الحارثي
لم تكد تمضي سوى أشهر قليلة منذ إغلاق المعابر في رفح حتى بدأ العالم اليوم يتجرع نفس الكأس الذي شرب منه أهل غزة، نتيجة إغلاق إيران لمضيق هرمز ومنع السفن من المرور من خلاله، وذلك في خطوة تذكرنا بإجراءات الكيان الصهيوني المحتل الذي منع الشاحنات من إدخال الماء والدواء والغذاء للفلسطينيين دون أن يرمش للعالم جفن؛ بل وقف موقف العاجز عن فعل أي شيء في مشهد مخزٍ يندى له جبين الإنسانية.
نعم، لقد وقف العالم متفرجًا وغير مبالٍ وهو يرى ويشاهد آلات القتل والدمار التي تمارسها إسرائيل ومن ورائها أمريكا والزمرة الدائرة في فلكها، وهي تحصد أرواح الأبرياء روحًا بعد روح، ولم يحرك ساكنًا، بل وقف عاجزًا عن إرسال شاحنة واحدة إلى أهالي غزة تنقذهم من حصار جائر وجوع قاتل ومرض فتاك.
وهو نفسه ذلك العالم المتخاذل الذي بدا اليوم منتفضًا وغاضبًا، يحشد الحشود ويجيش الجيوش لاقتحام مضيق هرمز بطلب من أمريكا بعد أن عجزت عن المجازفة بنفسها في مغامرة غير محسوبة العواقب قد تُمرغ أنفها في الوحل، وبدا رئيسها صاغرًا يستنجد الناس من شتى بقاع الأرض ليعينوه على إيران التي أقفلت المضيق في وجهه وتوعدت بالحرب على كل من يقترب من مياهها الإقليمية.
لقد عاش أهل غزة لشهور طويلة في عوز شديد وجوع طاحن وحاجة ملحة إلى الماء والغذاء والدواء، وبحت أصوات الأمهات الثكالى وهن يشاهدن أطفالهن يموتون أمام أعينهن دون أن تحرك تلك المشاهد القاسية شعرة من ضمير العالم، رغم الأنين والألم والاستغاثة والنداء الإنساني، ولكن تنادي حيًّا ولا حياة لمن تنادي.
العالم وقتها تمثل بين منافق خسيس لا تهمه إلا مصالحه الضيقة، وجبان ذليل يخشى سطوة العصا الأمريكية، فكانت النتيجة موت الآلاف من الأطفال الأبرياء بسبب الحصار الخانق وسياسة التجويع الجائرة التي مارسها ضدهم الكيان الصهيوني المحتل، دون أن نسمع حينذاك دولة واحدة من الدول المتحضرة تهدد إسرائيل مثلما نسمعها اليوم ضد إيران. فما الذي تغير؟
في الحقيقة لم يتغير شيء سوى انكشاف القناع وتعري تلك الوجوه القبيحة أمام العالم، وهو يعيش الآن حالة اختناق سياسي واقتصادي نتيجة الخوف من غلق شريان التجارة العالمي ودخول العالم في دائرة كساد عظمى كتلك التي عاشها في مطلع القرن الماضي.
إنها ضريبة الخنوع والجبن والسكوت على الظلم، وإنصاف المظلوم، واللامبالاة بأرواح وحقوق الآخرين وتركهم ومصيرهم أمام غطرسة قوى الشر والاستكبار.
إنه القصاص الدنيوي السريع الذي يفرض نفسه اليوم ضد أولئك المتاجرين بأرواح البشر ودمائهم، وقد حان الآن موعد الاستحقاق، فطباخ السم- كما يقولون- لا بُد أن يذوقه، وعليهم أن يدفعوا ثمن ذلك السكوت الفاضح الذي راح ضحيته ما يزيد على سبعين ألف شهيد بسبب الغطرسة الأمريكية الإسرائيلية ونفاق العالم المتحضر الذي يدعي الإنسانية ويرعى حقوق الإنسان.
ولأن الجزاء من جنس العمل، فقد كان على هذه الدول الداعمة لإسرائيل والمتخاذلة معها أن تشرب نفس السم ومن نفس الكأس، وتعاني نفس المعاناة بسبب إغلاق المضيق، لتعرف مقدار الألم الذي عاشه أبناء غزة من جوع وتدمير وإبادة. فدولة الظلم ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة، وعلى الباغي تدور الدوائر، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (إبراهيم: 52).
بهذا نرجو أن تكون الأُسرة الدولية قد استوعبت الدرس جيدًا بأن الظلم لا يدوم، وأن للمظلوم حوبة ودعوة لا تُرد: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37).
