د. سعيد بن سليمان العيسائي **
عُدنا إليك أيها القارئ الكريم بموضوعٍ جديد من الموضوعات المطوية، أو المنسية من دفتر التعليم، أو من ماضي التعليم.
موضوعنا في هذا المقال شيق وممتع، ومُتشعب ومُمتد عبر تاريخ التعليم القديم، والحديث بشقيه العام والعالي، كما سيكون للتعليم التقليدي الإسلامي نصيب من هذا المقال.
وكان الغرض من كتابة هذا المقال هو الحديث عن نظام التسريع، أو اختصار المراحل في التعليم النظامي الحديث بسلطنة عُمان من خلال رصد لبعض التجارب والخبرات التي رواها لنا عدد من الأساتذة والزملاء الذين مَروا بهذا البرنامج، أو سَمِعُوا عنه من خلال زملائهم.
ولكن الأمر سيقتضي منَّا الاطلاع على تجارب دُول عربية وشخصيات عربية وأجنبية.
وقبل الدخول في موضوعنا يجدر بنا التعريف بالتسريع أو اختصار المراحل.
يقصد به ترفيع الطالب صفين أو أكثر؛ لتفوقه وكِبر سِنه، أو لتفوقه ولكبر سِنه في حالات نادرة.
ويسمى بالانجليزية "Bridging Progroims" وهي مشتقة من كلمة "Bridge " وهو الجسر أو القنطرة، ومنها قولهم: "Bridging Courses" أي مواد أو برامج استداركية أو تكميلية.
وسنبدأ بالتعليم الديني بشعبتيه التقليدي والنظامي. هذا التعليم الذي يدين له الكثيرون بالفضل، فقد خرج العلماء والعباقرة والمفكرين والمثقفين والأدباء والكُتَّاب على مدى قرون من الزمان.
وقد أشرنا في أكثر من بحث إلى مؤسسات هذا التعليم التي منها منازل العلماء والمساجد والقِلاع والحصون والسبل والزوايا والتكي جمع تكية، وغيرها من المؤسسات في عُمان وغيرها من دُول العالم الإسلامي.
والذي يعنينا في هذا النظام هو التسريع أو الاختصار أي اختصار الصفوف أو المراحل.
ولكننا سوف نعرج على بعض الأمور والقضايا ذات الصِلة بهذا النظام.
من الأمور التي تستحق الإشارة إليها في هذا النظام هو اكتشاف الطلبة النُّجباء والمتفوقين من قِبل الأساتذة، فيكلفونهم بتعليم زملائهم الأقل منهم فهمًا واستيعابًا وإدراكًا لبعض المسائل والأمور.
وقد ذكر صديقنا وأستاذنا وجارنا في الخوير وزميل الدراسة في السعودية المرحوم الشيخ الدكتور أحمد بن إبراهيم الكندي، لصديقه الأخ الدكتور محسن بن حمود الكندي أنَّ المشايخ والعلماء في حلقاتهم بمدينة نزوى كانوا يقومون بهذا الأمر.
وكان المرحوم الشيخ الدكتور أحد هؤلاء الذين طلب منهم القيام بتعليم زملائهم الأقل فهمًا واستيعابًا، وتسمى هذه الطريقة في بعض الجامعات بـ"Tutor" أو المعيد كما في بعض الجامعات.
ويحدثني الصديق الأستاذ الدكتور المفكر علي القريشي أنه كتب عن الحورات العلمية، واكتشف أنَّ السيد مقتدى الصدر في الحوزات اجتاز المراحل العلمية في مدة وجيزة ما بين أواخر العشرين أو بداية الثلاثين من العُمر متفوقًا على الكثير من أقرانه.
وهذا الأمر كان يحدث في تاريخ التعليم الديني، وحتى في التعليم النظامي، حيث يسبق الطالب أقرانه، ويتفوق عليهم، ويُلاحظ المعلمون والمشايخ هؤلاء الطلبة، ويكتشفونهم من خلال الحفظ والحوارات والنقاشات التي تدور، ومن خلال المباحث أو الموضوعات التي يطلب من كل طالب تحضيرها أو إعدادها ومن الأمور ذات الصلة بالتعليم الديني، الرحلة في طلب العلم التي أشرنا إليها في أكثر من بحث خلال السنوات الماضية.
وهي نوعان: رحلات داخلية في البلد الواحد، كالرحلة في طلب العلم إلى نزوى والرستاق وبهلا وغيرها من المدن المشهورة بالعلم والعلماء.
أو الرحلة إلى بلدان أخرى، وهي أكثر مشقة على الطالب، ويمكن اعتبارها مرحلة الدراسات العليا.
وهذه الرحلة في طلب العلم ستكون مجالًا لحديثنا؛ لأنها مستمرة إلى يومنا هذا - أي في العصر الحديث -، وسنشير إلى نماذج من الذين شقوا طريقهم في هذه الرحلة للحصول على العلم بمراحله المتقدمة من شخصيات مقالنا.
هذه الرحلة هي التي جعلت مُلوك الفرنجة يلتمسون من خليفة المسلمين في الأندلس الموافقة على دراسة أبنائهم في جامعتي قرطبة وطليطلة.
والرحلة في طلب العلم تُعدُّ من أهم السُّبل التي سلكها العلماء في التاريخ الإسلامي، حيث كانت تعكس شغفهم بالمعرفة وتفانيهم في تحصيلها.
وكانوا عندما يسمعون عن عالم في بلدة من البلدات يقطعون المسافات الطويلة للوصول إليه رغبة في الاستفادة من علمه والتتلمذ على يديه.
وما زالت الرحلة في طلب العلم موجودة إلى يومنا الحاضر لدراسة العلوم المختلفة على المستوى الجامعي، ومستوى الماجستير، ومستوى الدكتوراه.
وسنقدم نماذج على مستوى الرحلة في طلب العلم والترفيع إلى فصول عُليا في التعليم الديني النظامي.
ونستدل بتجربة المرحوم الشيخ الدكتور إبراهيم بن أحمد الكندي المولود عام 1945م، فهي مثال على تحدي الصِّعاب والطموح والدراسة النظامية في سِنٍ مُتأخرة (26 سنة).
والرحلة في طلب العلم، واكتشاف المعلم لطلابه المتفوقين على زملائهم وأقرانهم.
يروي الدكتور محسن بن حمود الكندي نقلًا عن الشيخ الدكتور المرحوم أنه بعد عودته من العمل مُعلِّمًا في ولاية المضيبي بترشيح من الإمام غالب بعد عمل لمدة 8 سنوات عاد إلى بلده نزوى.
وفي عام 1971م بعد الحكم الجديد للسلطان الراحل زاره المرحوم الشيخ الراحل الدكتور صالح الصوافي جَارِي وصديقي في جامع نزوى، وسأله لماذا يجلس مُنزويًا في محراب الجامع، فقال له: أفكر فيما أفعل.
فنصحه الشيخ الدكتور صالح بالسفر إلى السعودية للدراسة كما فعل زملاؤه من قبل.
وبالفعل استقل السيارة (لعريبيا – Bed Ford) التي تنقل الحجاج، وكل ذلك في شهر شوال.
وعند وصوله إلى مكة المكرمة التحق المرحوم الشيخ الدكتور بالمعهد العلمي التابع للحرم المكي، وألحقه أحد الأساتذة بالصف الثاني الابتدائي.
ولكن مُعلمًا أخر اكتشف موهبته وحفظه وتفوقه فاصطحبه إلى الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية الأسبق عبد العزيز بن باز مدير المعهد آنذاك، وحاوره الشيخ واكتشف تفوقه وموهبته فأمر بإدخاله الصف الأول الإعدادي.
وأعتقد أنَّ الشيخ عبد العزيز بن باز استفاد من التجربة المصرية من خلال بعض الأساتذة الموجودين في المعهد أو من خلال قراءته واطلاعه على التجربة المصرية في ذلك الوقت، لأنَّ التجربة المصرية استفادت منها العديد من الدُّول العربية، وبخاصة بعض دُول الخليج، وسوف نشير إلى التجربة المصرية في فصول محو الأمية للكبار والعمال وغيرهم، التي هي قريبة من القرار الذي اتخذه الشيخ ابن باز مع حالة المرحوم الشيخ الدكتور.
ويضيف نقلًا عن الدكتور محسن أنه كان يدرس في مدرسة نظامية قريبة من الحرم في الفترة المسائية.
أكمل الشيخ الدكتور المرحوم الثانوية العامة والبكالوريوس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالمدينة المنورة.
وقد حضرت مناقشته للماجستير عندما كنت طالبًا بقسم اللغة العربية بجامعة الملك عبد العزيز بجده، وحصل على الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض.
وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر فإنه من الجدير بالذكر الإشارة إلى تجربة قريبة من تجربة المرحوم الشيخ الدكتور، وهي تجربة مصرية لأنَّ الكثير من التجارب العربية في التعليم مصدرها مصري، ولأنني عملت مُلحقًا ثقافيًا بجمهورية مصر العربية.
هذه التجربة هي نموذج الأستاذة الدكتورة الفلاحة المصرية التي التحقت بفصول محو الأمية وتعليم الكبار، وهي في سن 18 سنة، وحصلت على الثانوية العامة، وواصلت تعليمها بعد ذلك في المراحل الثلاث البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، وعملت أستاذة للإعلام والصحافة في عدد من الجامعات العربية، ولها عدد من الكتب، والبحوث والدراسات والمقالات.
وننتقل الآن إلى محطة أخرى أو جزئية أخرى في مقالنا ألا وهي الترفيع أو التسريع أو الاختصار في فصول محو الأمية.
وسنستفيد من التجربة المصرية التي استفادت منها الكثير من الدُّول العربية، وقد أمدنا بالمعلومات حول هذا النظام الأستاذ الدكتور زين عبد الهادي أستاذ المكتبات والمعلومات بجامعة حلوان ومدير مكتبة العاصمة الإدارية، والأستاذ الدكتور محمد رفعت أستاذ التربية بواسطة الأخ الأستاذ الكاتب إسلام يحيى.
وكذلك أمدنا الأستاذ إبراهيم الغرباوي البحيري المعلم في محافظة البحيرة بمعلومات حول هذا النظام.
التجربة الأولى في مجال الترفيع الموجود حاليًا هي مدارس الفصل الواحد ومدارس التعليم المجتمعي يمكن أن يقفز الطالب فيها من الصف الأول إلى الصف الثالث الابتدائي مع امتحان هذه السنوات خلال عام واحد.
هذه المدارس تقبل الطفل بعد سن 7 سنوات، ويمكن لهذا الطفل بعد مروره بالصف الأول أن يقفز للصف السادس.
وهذا النظام الموجود في مدارس التعليم المجتمعي يقصد منها الحدُّ من الأمية.
وأكدَّ لي الأستاذ إبراهيم الغرباوي البحيري المعلم في إحدى مدارس محافظة البحيرة أنَّ نظام محو الأمية في مصر هو أن يدرس الطالب لمدة 6 شهور متواصلة يتعلم فيها مبادئ القراءة والكتابة والحساب، ويحصل من خلالها على الشهادة الابتدائية (شهادة محو الأمية) التي تؤهله للالتحاق بالمرحلة الإعدادية.
وقرأت في موقع وزارة التربية والتعليم المصرية أنَّ الدراسة قد تمتد إلى 9 شهور حسب مقدرة الدراسين وإلمامهم بما يقدم إليهم من معلومات.
وهذا الأمر أكده ابن عمي الأخ سلطان بن سيف بن علي العيسائي الذي درس وعاش في أبو ظبي لسنوات طويلة، أنَّ الذي يتقدم للتسجيل في فصول محو الأمية في أبو ظبي، وقد دخل الكتاتيب أو لديه إلمام بالقراءة والكتابة، وقراءة القرآن يرفع مباشرة للصف الرابع الابتدائي، وبعد ذلك يكمل الصفوف الأخرى.
والواضح أنَّ التجربة المصرية مثلما انتقلت السعودية انتقلت أيضًا إلى أبو ظبي ودولة الإمارات وغيرها من البلدان العربية والخليجية.
وما دمنا في مصر التي توقف فيها نظام التسريع أو الاختصار في مراحل التعليم العام، فإنَّ الأخ الأستاذ الدكتور علي القريشي أنَّ أستاذه الذي أشرف عليه في الدكتوراه الأستاذ الدكتور سعيد إسماعيل على تحدث عن هذا الموضوع في أحد دراساته أو مقالاته.
وبعد تتبعي للموضوع في الشبكة العنكبوتية ظهر أنَّ الاستاذ الدكتور سعيد إسماعيل علي اختصر مدة الـ 5 سنوات الخاصة بالمرحلة الثانوية في سنتين، وذلك في حوار أجرته معه جريدة (الشروق) المصرية.
حيث درس السنة الأولى، ونجح فيها، وامتحن في مواد الأربع سنوات المتبقية بعد أن درسها مرة واحدة، وانتقل بعد نجاحه فيها إلى التوجيهي للمتفوقين.
ولكن هذا النظام الذي بدأ مع الملكية توقف في عام 1961 حسب ما ذكر لي الأستاذ الدكتور زين عبد الهادي.
ومن طريف ما يذكر عن الأنظمة القديمة التي استمرت إلى سنوات قريبة، أنني عندما كنت ملحقًا ثقافيًا في القاهرة، كان يلجأ إليَّ بعض طلاب الحقوق في عدد من الجامعات المصرية ذكر لي أنه طلب منهم إعادة العام الدراسي بسبب الرسوب في مادة واحدة من بين 11 أو 12 مادة لأي ظرف طارئ.
وكنت في اجتماع مع عدد من عُمداء كليات الحقوق في بعض الجامعات المصرية، وعندما سألتهم عن هذا الموضوع قالوا: هذا نظام بريطاني.
فقلت لهم مازحًا: خرج البريطانيون من مصر منذ أكثر من 70 عامًا، وما زلتم تحتفظون بذكريات لهم.
لماذا لا تتحولون إلى نظام الساعات المعتمدة، والفصول الدراسية الأمريكي، فهو أكثر مرونة.
وننتقل الآن إلى محطة أخرى من محطات مقالنا، وهي محطة التسريع أو الاختصار في بعض الدُّول العربية والأوربية في مجال التعليم العام.
ونشكر ولدنا الأستاذ محمد الزيدي الحاصل على البكالوريوس والماجستير في التربية، والذي عمل في دائرة معادلة المؤهلات والاعتراف لعدة سنوات، فهو الذي زودنا بهذه المعلومة.
تُعدُّ الولايات المتحدة الأمريكية من أكثر الدُّول مُرونة، حيث يطبق (قفز الصفوف) والالتحاق المبكر بالجامعة بشكل واسع بناء على تقييم القدرات العقلية.
وتتبع المملكة العربية السعودية نظامًا مقننًا يسمح للطالب بتخطي صفوف معينة (الرابع الابتدائي، والأول المتوسط) بعد اجتياز موهبة محددة.
وتوفر سنغافورة مسارات سريعة تُسمى (Fast track) تتيح للطلاب المتميزين إنهاء المرحلة الثانوية في زمن أقل من المعتاد.
وتطبق استراليا سياسات تسريع متنوعة تعتمد على الاحتياجات الفردية للطالب، وتختلف قليلًا من ولاية إلى أخرى.
وتسمح ألمانيا بما يسمى (Klessenprung) أو (قفز الصف) للطلاب الذين يظهرون نضجًا عقليًا يتجاوز أقرانهم في الفصول الدراسية، يعرف هذا النظام في الأوساط التعليمية العالمية بمصطلح (Academic Acceleration) (التسريع الأكاديمي).
وقد يُواجه الطالب فجوة في النضج الاجتماعي أو العاطفي عند التواجد مع زملاء أكبر سنًا؛ لذا يتطلب الأمر تقييمًا شاملًا، وليس أكاديميًا فقط.
وفيما يتصل بالتسريع أو الاختصار في مرحلة الدراسات العليا، فإنني أذكر أنَّ الأخ الدكتور طالب بن عيسى بن زهران السالمي الزميل في وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي ذكر لي في السنوات الأولى لحصوله على الدكتوراه من بريطانيا أنه التحق بهذا النوع في إحدى الجامعات البريطانية.
ولأنَّ بحث الماجستير من الأهمية بمكان فقد ارتأى الأستاذ المشرف والجامعة أنَّ البحث يصلح لأن يكون بحث دكتوراه.
وحتى أتأكد من المعلومة أو استذكرها بعد مرور سنوات طويلة عليها سألت الأخت الدكتورة نادية بنت سليمان العيسائية أستاذة اللغة الانجليزية بجامعة العلوم والتقنية بصحار الحاصلة على شهادة الماجستير والدكتوراه من بريطانيا التي أفادتني بما يلي:
يسمى هذا البرنامج في بعض الجامعات البريطانية الدكتوراه المتكاملة نظام 1 + 3 بمعنى أنَّ الماجستير سنة واحدة، ومباشرة على الدكتوراه 3 سنوات، وهذا بديل عن المكوث سنوات في الماجستير، وسنوات أخرى في الدكتوراه كما هو معروف في معظم الجامعات.
نشير إلى أن الأخت الدكتورة نادية أرسلت لي معلومات وافية إضافية لا يتسع المقال لذكرها.
وجدير بالذكر أنَّ بعض الجامعات البريطانية والأمريكية تطرح برنامج الماجستير لسنة واحدة بشرط أن يحتوي على مواد دراسية مكثفة.
ويسمح نظام الساعات المعتمدة الأمريكي باختصار السنوات إذا زاد الطالب عدد ساعاته الدراسية في كل فصل، وزاد عليها ساعات في بعض الفصول الصيفية كما حصل معي.
وقد أنتجت برامج وأنظمة التسريع الأكاديمي عددًا من صغار العباقرة، الذين تخرجوا من الجامعات في سن مبكرة أمثال (كارل وايت) الألماني الذي تخرج من الجامعة وحصل على الدكتوراه في سن 23 سنة، وكان يجيد خمس لغات بطلاقة هي الألمانية والفرنسية والإيطالية واللأتينية واليونانية.
ومنهم (بالامور رالي أمباتي) الذي أصبح أصغر طبيب في العالم حيث تخرج من كلية الطب في مدينة نيويورك في سن 17 عامًا، وغيرهم كثير لا يسع المقال لذكرهم أو حصرهم.
ومسك الختام في موضوعنا مقالنا هذا هو الحديث عن نظام التسريع أو الاختصار في سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة (أبو ظبي) في فصول محو الأمية وتعليم الكبار.
تحدثني الأخت الأستاذة مريم بنت سليمان العيسائية المعلمة السابقة في مدارس التعليم العام والمعلمة المتعاونة في فصول محو الأمية حاليًا: أنَّ الدراسة في فصول محو الأمية منتظمة لمدة 3 سنوات متتالية يحصل خلالها الدارس على شهادة محو الأمية، وينتقل بعدها إلى الصف السادس، وبعد اجتياز اختبارات الصف السادس ينتقل إلى الصف الثالث الإعدادي، وبعد اجتياز اختبارات الصف الثالث الإعدادي يرفع الطالب إلى الثالث الثانوي، وتكون الدراسة في صفوف السادس والثالث الإعدادي والثالث الثانوي دراسة منزلية يأتي الدراس فيها لأداء الاختبارات في المدرسة فقط، ويسمى هذا النوع من الدراسة في مصر وبعض الدُّول العربية بالدراسة الحرة.
ويؤكد ابن عمي الأخ سلطان بن سيف العيسائي الذي درس وعاش في أبو ظبي لسنوات طويلة أنه مرت عليه حالات لعدد من الذين تقدموا للدراسة في فصول محو الأمية، وكانوا قد دخلوا الكتاتيب ولديهم إلمام بالقراءة والكتابة وقراءة القرآن تَمَّ ترفيعهم مباشرة للصف الرابع الابتدائي.
وننتقل الآن إلى الترفيع في التعليم العام الذي نبدأ فيه بالبدايات الأولى مع بداية النهضة عام 1970 حيث تحدث معلمي الأستاذ محمد بن عيسى الزدجالي الذي درسني في الصف الأول الابتدائي في الخيام على البحر في صحار فور عودته من البحرين وقد حصل بعيني شهادة الأول الثانوي قائلًا: إنه هو والمرحوم السيد سيف بن سلطان البوسعيدي مدير المدرسة كانوا معيارهم لترفيع الطلاب أو تقفيزهم في تلك المرحلة هو معيار الطول وكبر السن فيرفع الطالب إلى الصف الثاني الابتدائي مباشرة، وقد رأيت بعيني طلابًا أكبر مني سنًا في الصف الذي أدرس فيه.
وقد تواصلت مع الأخ الأستاذ درويش العبيداني وسألته عن موضوع الترفيع في المرحلة اللاحقة فدلني على الأخ الصديق القديم الدكتور علي بن حمدان الشيراوي الاستشاري الأول للروماتيزم والمناعة بجامعة السلطان قابوس وعضو مجلس الدولة الذي حدثني عن هذا الموضوع.
ذكر لي الدكتور علي أنه دخل المدرسة في بداية السبعينيات وعمره 11 سنة، وكان مدير المدرسة آنذاك المرحوم السيد سيف سلطان البوسعيدي الذي أمر بإلحاقي بالصف الثاني مباشرة.
وفي الصف الأول الإعدادي في أواخر السبيعنيات من القرن الماضي أو أواخر الثمانينات تمَّ فتح مجال الترفيع أو التقفيز من الأول الإعدادي إلى الثالث الإعدادي بحيث يدرس الطالب منهاج الصف الثاني الإعدادي في الصيف ويختبر فيه في سبتمبر ليمنح الناجح شهادة الثاني الإعدادي، وينتقل مباشرة إلى الصف الثالث الإعدادي، وحيث أنه لم يكن في صحار الصف الثالث الإعدادي آنذاك تم نقله إلى مسقط، وسكن في القسم الداخلي.
ويضيف الدكتور علي أنه الوحيد الذي وافق على دخول نظام التقفيز في ولاية صحار.
والذي شجَّعَ الدكتور على دخول هذا النظام أو البرنامج دخوله المدرسة في سن متأخرة وتفوقه وطموحه في التعويض عما فات من سنوات والوصول إلى ما يتمناه من مستقبل واعد مُشرق.
وأود أن أشير إلى معلومة مهمة، وهي أنَّ نظام التسريع أو التقفيز في سلطنة عُمان وفي غيرها من الدُّول الخليجية والعربية في مراحل التعليم العام لم يكن مفتوحًا أو مستمرًا وإنما فتح لمرة واحدة على ما أذكر ليتقدم له من حالفه الحظ وأراد اغتنام الفرصة التي لا تتكرر دائمًا.
وإذا انتقلنا إلى تجربة التسريع أو الاختصار في أبو ظبي فقد ذكر لي المهندس علي بن ناصر المسكري الذي درس معظم مراحله الدراسية هناك أنَّ عددًا من زملائه المتفوقين دراسيًا تقدموا لنظام التقفيز أو التسريع الذي كان مطبقًا في أبو ظبي لفترة وجيزة ومحددة ورفعوا صفين دراسيين.
وأكدَّ لي هذه المعلومة ابن عمي الأخ سلطان بن سيف العيسائي الذي درس في أبو ظبي في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي، وعاش في أبو ظبي لسنوات طويلة حيث تقدم عدد من زملائه لهذا النظام في أبو ظبي وسلطنة عُمان وقفزوا صفين دراسيين أيضًا.
وذكر لي أستاذنا الشيخ سالم بن ناصر المسكري الأمين العام السابق لجامعة السلطان قابوس أنه التقى بأحد جماعته في إبراء مؤخرًا اسمه ناصر بن سليمان بن سعيد المسكري، وأكد له أنه جاء للتسجيل في مدرسة هيلي الابتدائية في بداية السبعينيات وكان يحفظ القرآن الكريم ويلم بمبادئ القراءة والكتابة فتم الحاقه بالصف الرابع الابتدائي.
ونأتي إلى ختام موضوعات مقالنا الواسع الشيق، المتشعب بموضوع الترفيع التلقائي الذي يعده أحد التربويين إهانة للتعليم، بمعنى أن يرفع الطالب إلى الصف الأعلى، حتى لو كانت قُدراته العقلية لا تؤهله للصعود، أو الترفيع للصف الأعلى.
وسمعت أنَّ بعض الطلبة يرسبون في مادة، أو مواد محددة رُسوبًا مُتكررًا، ولكن تأتي أوامر بعض المسؤولين في وزارة التربية والتعليم بنقلهم إلى الصفوف العُليا.
ويُعاني المعلمون والطلبة الجادون بسبب وجود هذه النوعية من الطلبة.
وسمعت مؤخرًا أنَّ نظام الترفيع التلقائي (عدم الرسوب) متبع في الحلقة الأولى من التعليم الأساسي من الصف الأول إلى الرابع، وفي الصفوف الأعلى هناك نظام أخر لا يسع المجال لذكره في هذا المقال.
وأذكر أنني عندما نُقلت من ديوان عام وزارة التربية والتعليم إلى المديرية العامة للتربية والتعليم لمحافظة مسقط، وكنا في اجتماع في إحدى المدارس جاء أحد كبار المسؤولين في المديرية، وجلس في الكرسي الخلفي مباشرة، وهمس في أذني لو رسبناهم وفصلناهم سوف يصبحون مجرمين، وكنت أعلم جيدًا من خلال دراساتي وقراءاتي وعملي بدائرة البحوث التربوية أنَّ التسرب والرسوب وبقاء الطلاب الكبار مع الطلاب الصغار في صف واحد قضية تُؤرق التربويين منذ زمن.
وفي الختام أشكر كل من قَدَّمَ لي معلومة استفدت منها في هذا المقال، وأتمنى أن نلتقي في صفحة مطوية أخرى من دفتر التعليم بإذن الله.
** كاتب وأكاديمي
