الأمن بين السيادة والتحالفات.. إعادة تعريف الأولويات في الخليج

 

 

 

أحمد بن محمد العامري

ahmedalameri@live.com

 

 

في ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، وتبدّل موازين القوى، وتصاعد الاستقطابات الإقليمية، لم يعد مفهوم الأمن مسألة عسكرية بحتة، ولا مجرد شبكة تحالفات واتفاقيات دفاعية. الأمن اليوم مفهوم مركب يتداخل فيه السياسي بالاقتصادي والاستراتيجي بالمجتمعي، ومن دون إعادة تعريف الأولويات انطلاقًا من الداخل، ستظل أي منظومة أمنية عرضة للاهتزاز مهما بلغت كلفة صفقاتها وحجم وعود حلفائها.

الأمن الحقيقي يبدأ باستعادة القرار السيادي كاملًا غير منقوص. فلا يمكن لدولة أن تكون آمنة إذا كان قرارها مرهونًا بتوازنات الخارج، أو إذا كانت سياساتها الكبرى تُبنى استجابةً لضغوط أو إملاءات غير وطنية. استعادة السيادة لا تعني الانعزال؛ بل تعني القدرة على اختيار التحالفات من موقع الندية لا من موقع الحاجة. وتعني قبل ذلك التصالح مع الشعب بوصفه مصدر الشرعية وأساس الاستقرار. فكلما اتسعت مساحة المشاركة وتعززت الثقة بين المجتمع والدولة، أصبح الداخل أكثر تماسكًا وأقدر على امتصاص الصدمات.

كما أن تمكين الشعوب من مفاصل القوة الشاملة يمثل حجر الزاوية في أي مشروع أمني مستدام؛ فلا أمن بلا قدرة على تصنيع جزء معتبر من منظومة الدفاع ولا استقرار بلا أمن غذائي، ولا سيادة بلا أمن دوائي ومائي. والدولة التي تعتمد كليًا على الخارج في غذائها ودوائها وسلاحها، ستظل مكشوفة سياسيًا مهما بدت محصّنة عسكريًا. الأمن ليس مجرد حماية حدود، بل هو بناء منظومة اكتفاء وقدرة ذاتية تقلل من هامش الابتزاز الخارجي.

أما ما يُطرح تحت مسمى “العلاقات الاستراتيجية” مع القوى الكبرى، فيحتاج إلى قراءة واقعية بعيدة عن الخطاب الدعائي. فالدول العظمى لا تبني علاقاتها على العاطفة، بل على المصالح الصلبة. وهي تميل إلى احترام من يملك أوراق قوة حقيقية، لا من يكتفي بدور المورِّد أو السوق أو التابع أو مجرد "بئر نفط". العلاقة الاستراتيجية بالمعنى العميق لا تقوم إلا بين أطراف تملك قدرة نسبية على التأثير، وتستطيع أن تقول “لا” عندما تمس مصالحها الجوهرية، أما إذا غابت عناصر القوة الذاتية فإن العلاقة تتحول إلى تبعية مغلفة بمصطلحات دبلوماسية براقة.

وفي سياق إعادة ترتيب الأولويات، يفرض عامل الجغرافيا نفسه كحقيقة لا يمكن القفز عليها. فالدول لا تختار جيرانها، بل تختار كيفية إدارة علاقتها بهم.

ومن هذا المنظور، فإن إيران تبقى جارًا دائمًا بحكم الجغرافيا والتاريخ، وقد تكون عدوًا في ظرف سياسي معين، لكنها تظل جزءًا من الإقليم الذي لا يمكن نقله أو تجاهله. في المقابل، فإن الكيان الصهيوني قد يُقدَّم في لحظة سياسية ما بوصفه شريكًا أو حليفًا، لكنه في الوعي الجمعي والصراع التاريخي عدوٌ دائم، ما يجعله جارًا مؤقتًا بالسياسة لا بالجغرافيا. الفرق بين الدائم والمؤقت هنا ليس تفصيلًا لغويًا، بل معادلة استراتيجية تملي التفكير بعقل بارد لا بعاطفة آنية.

إن التعويل المفرط على مظلة خارجية لحماية الأنظمة لا يعادل بالضرورة حماية الأوطان. فالتجارب التاريخية تُظهر أن التحالفات تتغير بتغير المصالح والإدارات، وأن الدول الكبرى تعيد تموضعها متى ما اقتضت مصالحها ذلك.

لذلك، فإن الرهان الأكثر أمانًا هو بناء قوة داخلية متماسكة وعلاقات إقليمية متوازنة، وسياسة خارجية متعددة الخيارات لا تُغلق الأبواب ولا تحرق الجسور.

لا يكفي أن نرفع الشعارات أو نكتفي بالدعاء طلبًا للأمن والاستقرار، بل لا بد من الأخذ بالأسباب الواقعية لتحقيقهما. وأول هذه الأسباب إعادة صياغة العلاقة بين الدولة وشعبها على أساس الشراكة والثقة، ثم الانفتاح على الجوار الإقليمي بمنطق إدارة الخلاف لا تأبيده، وبمنطق المصالح المتبادلة لا الاصطفافات الحادة. الجغرافيا قدر ثابت، والتاريخ عنصر ضاغط، أما التحالفات فمتغيرة بطبيعتها.

في الخلاصة.. الأمن ليس صفقة سلاح، ولا بيانًا مشتركًا، ولا صورة قمة عابرة؛ إنه مشروع وطني طويل النفس يبدأ من السيادة، ويمر عبر تمكين الداخل، وينتهي بسياسة خارجية متوازنة تدرك الفرق بين العدو الدائم والخصم العابر، وبين الجار الذي لا يمكن تغييره والتحالف الذي يمكن مراجعته. وبين هذه المعادلات تتحدد ملامح المستقبل: إما أمن مستدام يصنعه الداخل، أو استقرار هشّ ينتظر اختبارًا قادمًا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z