ماجد الهادي
"عندما يتم الاعتراف في نهاية المطاف بأنَّ الصحة العقلية ضرورية للصحة البدنية، وليست عنصرًا خارجيًا عنها، فحينها سنتمكن من الوصول إلى الطب الحديث الحقيقي والكامل". جون كامبو.
عندما يكون إدراكك للواقع مشوهًا، بل يكون متشابكًا مع مشاعر مثل القلق والمخاوف المرضية والأفكار الوسواسية والاكتئاب أو السلوك الوسواسي. ماذا نسمي ذلك؟
عندما يكون إحساسنا بما يحيط بنا باللاشيء، أي باللاإحساس، ما هو تفسيرنا تجاهه؟ وما هو الخيط الممتد بينه وبين وعقلنا وتفكيرنا؟ لقد أطلق عليه الباحثين والمختصين بـ الاضطراب النفسي، المعروف أيضًا باسم العُصاب. وهو حالة تختلط وتتشتت في العقل البشري، المشاعر والاحاسيس، يحاول فيها العقل أن يغطي المشاكل النفسية، التي يمكن أن تؤدي إلى صراع داخلي لدى الشخص. كما يمكن اعتباره أيضًا عدم توافق الفرد مع بيئته وعدم قدرته على تغيير نمط حياته وعدم قدرته على اكتساب سمة شخصية مرضية. ولذلك ينتفي الإدراك ويحل محله دوامة وزوبعة كبيرة من التصادم الفكري.
العصاب (Neurosis) يعرف بأنه اضطراب نفسي وظيفي يتميز بالقلق، الاكتئاب، أو مشاعر الضيق، ولا يتضمن فقدان الصلة بالواقع أو الهلوسة. يدرك المريض حالته وغالبًا ما يستجيب للعلاج النفسي والدوائي، حيث تعيق الأعراض قدرته على الأداء الوظيفي والاجتماعي بشكل سوي. من أبرز أنواعه: اضطراب القلق، الوسواس القهري، الرهاب، والهستيريا. بين حقيقة الشعور وهلام الإحساس. بين الاختناق النفسي والاصطناع الصوري الموشوم بالفرح والسعادة. لا نستطيع أن نسمي ذلك ازدواجية أو تناقض، وإنما هي حالة يستشعر بها العقل المفرط في التفكير، والمفرط في الإحساس. فتجده يترنح بين الإلمام والتفريط، إلمام الاحداث، إلمام الإدراك، إلمام الفهم. وتفريط التعامل مع كل ذلك.. التفريط في التطويق الآني. ينتقدك شخص ويكيل بالكلام المستفز عليك بتلذذ متواتر، وعقلك يستقبل تلك الاستفزازات وقد تعطل للحظة عن الرد، إنه مستوعب ومدرك لماهية وثقل الكلمات، ووقعها السيء على نفسك، لكنه يتجمد للحظة ليس لشيء وإنما لهول صدمة الكلمة، فقد تكون صادرة من شخص عزيز، أو من شخص غير متوقع أي كانت منزلته عندك. العقل يتجمد في الحقيقة لأنه في ذلك الوقت يكون مشغول بالأريحية والسكينة والهدوء، يكون مطوقا بدثارة الطبيعة الاعتيادية.
بمجرد ما يذهب الشخص الذي أطلق قنابله اللفظية المستفزة، ينتبه العقل، يستدرك الشريط الفعلي، يعيد الحدث مرارا وتكرارا، ومن ثم يحضر الرد بقوة وبكلمات مفوهة مقنعة، تشرق شمس العقل الدامغة في قدرتها على التحكم في أرض النقاش، ولكن للأسف يكون الأوان قد فات، فالمستفز قد ولى هاربا بسعادة قدرته على استفزازك وإقحامك بذلك السوط من الكلام الجارح. ما يعنينا هنا كيف يتجمد العقل؟ وكيف تختلط عليه المشاعر وهو في الحقيقة قادر على ترجمتها؟ لقد حاول ذلك الانسان أن يجبر العقل الآخر على الرد، والإجبار معناه (التجمد العقلي المؤقت) بمعنى تعطيل الخلايا العصبية المسؤولة عن إدراك الشيء في ذلك الوقت. هذا التعطيل في الحقيقة بمثابة الإشعاع النفسي المسلط على الطرف الآخر، بمثابة التثبيط الذهني المؤقت وسواء أكان هذا الطرف يدرك ذلك أم لا يدركه، لكنه نجح في النهاية بتقييد وشل حركة العقل الآخر.
دعونا نطرح الموقف من جانب آخر، تكون الأطراف مدركة مسبقا بما سيحدث من حوار ونقاش عن موضوع ما. هل ستكون النتيجة هي ذاتها؟ بالتأكيد لا لأن العقول فكت قيود التعطيل الفكري، وكسرت الحواجز الذهنية، وفتحت أبواب كل التخزين المعلوماتي والمعرفي على اتساعه؛ بل أن العقل سيصبح نشطا في استخلاص أية معلومة قد خزنت منذ أمد بعيد. هنا تختلف العملية العقلية اختلافًا يجعل الإنسان على إدراك وإطلاع بأن العقل وبما يحتويه من خلايا عصبية، قادر على تحقيق الكثير من المهام التي يعتقدها الإنسان بأنها مستحيلة أو صعبة.
الاشتغال على النمو الفكري والعقلي لا يتم في ليلة وضحاها، تكون هناك الكثير والكثير من التضحيات (نفسية، عقلية، اجتماعية، جسدية). ناتجة عن اطلاعات وقراءات ودراسات وبحوث في مختلف الأوقات والظروف. كما أن الاستمرارية والانضباط والصبر في الارتشاف من مختلف البحور المعرفية والعلمية، لها دور كبير في تغذية العقل وجعله في استعداد تام لكل ما يواجهه من تعاملات فكرية وذهنية على حد سواء.
إذن.. هل هناك علاقة بين الاضطراب النفسي وبين تأخر الإدراك، أو التشويش الآني للمعرفة أو الرد الفعلي أو اللفظي؟ نعم هناك علاقة وإن كانت مضمرة ولا يدركها الشخص.. كلنا في الحقيقة نحمل على أكتاف عقولنا الكثير من الحالات النفسية، ولكن تأثيرها ووضوحها يختلف من شخص لآخر.. (العصبية، القلق، الغضب، التوتر، الغيرة المفرطة، التفكير الوسواسي، الرهاب، الهستيريا، وغيرها من التصرفات المشابهة) غير المدركة في حينه المنتهية غالبا بالندم. الخلاصة لا يجب علينا أن نجزع من حالتنا النفسية أي كانت درجتها في الوضوح والتعامل، بل علينا أن نعرف كيف نتعامل مع هذه الحالة من منظور طبيعي وصحي.
