خالد بن حمد الرواحي
في كثير من المؤسسات، لا تبدأ لحظة الاختبار حين تقع الأزمة، بل قبل ذلك بكثير؛ تبدأ حين يُتَّخذ قرار صغير قد لا يلاحظه أحد، لكنه يترك أثرًا طويلًا في الناس. فالقائد لا يُقاس بما يقوله في الاجتماعات، بل بما يشعر به فريقه بعد أن يغادر الغرفة. هناك، في تلك المسافة الهادئة بين القرار ونتيجته، تتشكّل حقيقة القيادة.
يظنّ البعض أن القيادة تُختزل في المنصب أو الصلاحيات أو القدرة على الحسم السريع، غير أن التجربة العملية تكشف أن جوهرها أعمق من ذلك بكثير. فالقيادة ليست قوة القرار بقدر ما هي وعيٌ بأثره؛ لأن القرار الذي ينجح على الورق قد يفشل في قلوب من يُفترض أن ينفّذوه. وحين يفقد القرار معناه الإنساني، يتحول إلى إجراءٍ جامد مهما بدا ناجحًا في التقارير.
المؤسسات اليوم لا تعاني نقص الخطط بقدر ما تعاني أحيانًا من غموض البوصلة القيادية. تُكتب الاستراتيجيات بعناية، وتُعقد الاجتماعات بوتيرة متسارعة، لكن السؤال الحقيقي يبقى معلّقًا: هل نُدير العمل لنحافظ على استقراره فقط، أم لنصنع اتجاهًا واضحًا للمستقبل؟ إنّ الفرق بين الاثنين لا يظهر في الكلمات، بل في قدرة القائد على تحويل الرؤية إلى تجربة يشعر بها الناس كل يوم.
في بيئات العمل المتسارعة، يتحول القرار أحيانًا إلى فعلٍ إداري سريع؛ يُراجع ويُعتمد ويُنفَّذ دون أن يُطرح السؤال الأهم: ماذا سيغيّر هذا القرار في حياة من يعملون هنا؟ فالقيادة التي ترى الأرقام فقط قد تنجح مرحليًا، لكنها لا تبني ثقافة قادرة على الاستمرار. أما القيادة التي ترى الإنسان قبل المؤشر، فهي التي تزرع الاستقرار الحقيقي داخل المؤسسة.
المسؤولية القيادية ليست امتيازًا تنظيميًا، بل عبءٌ أخلاقي يتجدّد كل يوم. فالقائد لا يملك رفاهية الحياد حين يتعلق الأمر بالعدالة المهنية، أو وضوح التوقعات، أو حماية بيئة العمل من الغموض. وكلما ازداد تعقيد العمل المؤسسي، ازدادت الحاجة إلى قيادة تُوازن بين الحزم الإجرائي والوعي الإنساني؛ قيادة تعرف متى تُصغي أكثر مما تتحدث، ومتى تمنح الثقة بدل أن تُغرق فريقها في التفاصيل.
ومن أخطر ما قد تواجهه المؤسسات أن تتحول القيادة إلى إدارةٍ يومية للأزمات بدل أن تكون صناعةً واعية للاتجاه. حين ينشغل القائد بإطفاء التفاصيل الصغيرة، يتراجع دوره في رسم الصورة الكبرى، وتبدأ القرارات بالتراكم دون رابطٍ واضح بينها. عندها لا يفقد الفريق حماسته فقط، بل يفقد أيضًا قدرته على فهم لماذا يعمل أصلًا.
القيادة ليست حضورًا شكليًا ولا صوتًا مرتفعًا، بل قدرةٌ على الإصغاء العميق قبل إصدار الحكم. فالقائد الذي يستمع جيدًا لا يضعف، بل يكتسب رؤيةً أوسع؛ لأن الإصغاء يكشف ما لا تظهره التقارير الرسمية. وفي زمن التحول المتسارع، لم تعد المعلومة حكرًا على موقعٍ وظيفي، بل أصبحت موزّعة بين الجميع، ولم يعد القائد هو من يعرف أكثر، بل من يفهم بصورةٍ أفضل.
ولا تعني القيادة المثالية غياب الأخطاء؛ بل على العكس، فإن أكثر القيادات نضجًا هي التي تعترف بحدود معرفتها وتتعلم باستمرار. فالثقة داخل المؤسسة لا تُبنى على صورة القائد الذي لا يخطئ، بل على صورة القائد الذي يُصحّح مساره بشفافية، ويمنح فريقه مساحةً للمشاركة في الحل، لا مجرد تنفيذٍ للتوجيه.
إن لحظة اتخاذ القرار ليست نهاية الدور القيادي، بل بدايته الحقيقية. فبعد كل قرار تبدأ مرحلة أصعب: المتابعة، والتقييم، وإعادة الضبط. وهنا يظهر الفرق بين قيادة ترى القرار حدثًا عابرًا، وأخرى تدرك أنه مسارٌ طويل من التأثيرات المتشابكة. فالمؤسسات التي تتعلم من قراراتها تنمو بثبات، بينما تلك التي تكرر الأخطاء ذاتها تُهدر طاقتها دون أن تشعر.
في النهاية، لا تُختبَر القيادة في أوقات الراحة، بل في لحظات التحدي؛ حين تتداخل المصالح، وتتصاعد التوقعات، ويصبح القرار أكثر من مجرد إجراءٍ إداري. عندها فقط يتضح الفرق بين من يقود الموقع… ومن يقود المعنى؛ فالقيادة التي تصنع الأثر لا تحتاج إلى ضجيجٍ كبير، بل إلى وعيٍ هادئ يعرف متى يقرر، ولماذا يقرر، ولمن يقرر. فالمؤسسات قد تنسى أسماء القادة بعد سنوات، لكنها لا تنسى الشعور الذي تركوه في الناس؛ وذلك هو الاختبار الحقيقي لكل قيادة.
