خلف ستائر النار.. صراع الإرادات ولعبة الخرائط المُشتعلة

 

 

 

محمد بن علي بن ضعين البادي

لم يعد المشهد مجرد تحركات عسكرية روتينية أو مناورات لترميم الردع؛ إننا نعيش صمتًا ثقيلًا يشبه الذي يسبق العواصف الكبرى. فحين تعبر الأساطيل المُحيطات لتستقر في مياهنا، وتتحول القواعد إلى ثكنات مستنفرة، وتخرج التصريحات السياسية كطلقات محذرة، ندرك أنَّ ثمة قرار مصيري يُطبخ في غرف الصمت.

الخليج اليوم لا يقف أمام أزمة عابرة، بل على حافة لحظة تاريخية فارقة، لحظة ستنزع الأقنعة عن الوجوه، وتكشف حقيقة الصراع بوصفه صدامًا بين إرادات لا تنحني، لا مجرد خلاف على تفاصيل تقنية أو ذرائع دبلوماسية.

التاريخ، في صرامته، لا يُحابي أحدًا؛ وهو يخبرنا بوضوح أنَّ القوى العظمى، وفي مقدمتها واشنطن، لا تُحرك بوارجها بدافع أخلاقي، بل خلف بوصلة استراتيجية ترى في منطقتنا مفتاح السيادة العالمية. فمن يسيطر على هذه الجغرافيا، يمسك بزمام القرار الدولي، ومن يهيمن على شريان الطاقة، يملك توقيت نبض العالم. وفي هذا السياق، لم تكن إيران مستهدفة يومًا لحدث طارئ، بل لأنها اجترأت على اقتراف "الجريمة" الكبرى في عرف الإمبراطوريات: رفض التبعية. لقد اختارت ألا تذوب في القالب الأمريكي، وألا تسلم مفاتيح سيادتها لمن يسكن خلف البحار، وهذا التمرد على "النموذج" المفروض هو ما تخشاه واشنطن أكثر من الصواريخ؛ فنجاح أي نموذج يرفض الإملاءات يتحول إلى عدوى لا يُمكن لجمها.

ومخطئ من يظن، بوعي غائب، أن كرة النار ستتوقف عند حدود طهران. فالخرائط في هذه المنطقة مترابطة كأوعية دموية؛ لم يكن العراق إلا فصلًا، ولم تكن ليبيا أو أفغانستان إلا تمهيدًا. إن أي محاولة لكسر كيان بحجم إيران لن تكون "جراحة نظيفة" أو نصرًا خاطفًا، بل زلزالًا سياسيًا سيُعيد رسم الوجود بالدم، ويفجر فوضى عابرة للحدود تمتد من بحر العرب إلى شرق المتوسط. في ذلك المشهد، ستختنق شرايين الملاحة، وتهتز عروش الاقتصاد العالمي، ولن يجد الخليج نفسه بعيدًا عن ألسنة اللهب؛ فالجغرافيا لا تمنح حصانة لأحد حين يضطرب الأمن الكلي وتتمزق شبكة الاستقرار التي تربطنا جميعًا.

الغرور هو العلة المزمنة التي أسقطت إمبراطوريات روما وبريطانيا والسوفييت، وهو ذاته الغرور الذي يعمي اليوم من يظن أنَّ القوة المطلقة تضمن نصرًا بلا ثمن. فإيران، بعمقها السكاني وعقيدتها الصلبة وشبكات نفوذها المُعقدة، ليست رقمًا سهلًا يمكن محوه بضربة واحدة. إننا أمام مفترق طرق حضاري يضع الحكمة في كفة والاندفاع في كفة أخرى؛ فإما أن يسود منطق الواقعية ويُعاد ترتيب الأوراق بعقول باردة قبل أن تأكلها النار، وإما أن تترك الأزمات لتهور لا يرى أبعد من فوهة البندقية.

نحن لا نرقب حدثًا عاديًا، بل نعيش اختبارًا لوعينا التاريخي. فمن يعتقد أنَّ سقوط جاره سيبني له قصرًا من الأمان، قد يستيقظ غدًا ليجد نفسه الحلقة الأضعف في لعبة أمم لا ترحم. إنَّ الحرب، إن اندلعت، لن تكون صراعًا بين دولتين فحسب، بل صدامًا مصيريًا بين مشروع يبتغي هيمنة أحادية، ومشروع يصر على البقاء حُرًا مهما غلا الثمن. وكما علمنا الزمان دائمًا؛ فإن التاريخ يكتبه الصامدون، ولا يترك مكانًا للغافلين.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z