أُذُنٌ فقط

 

 

خالد بن حمد الرواحي

في كثيرٍ من المؤسسات، لا تبدأ المشكلة بصوتٍ عالٍ… بل تبدأ حين لا يجد أحد من يسمعه. وبين ازدحام الاجتماعات وتتابع القرارات، تتراكم ملاحظاتٌ صغيرة تبحث فقط عن «أُذُنٌ حاضرة» تفهم قبل أن تحكم، وتصغي قبل أن تقرّر. فالكثير مما يبدو معقّدًا من الخارج يحمل في داخله حكايةً إنسانية لم تُروَ بعد، وتفاصيل بسيطة كان يمكن أن تغيّر زاوية النظر إلى المشكلة لو مُنحت لحظة إنصات صادقة منذ البداية.

في زوايا العمل اليومية، يردّد الموظفون أحيانًا عبارةً تختصر الكثير: نريد فقط من يستمع لنا. فالمشكلة التي تبدو معقّدة في التقارير قد تصبح أبسط حين تُروى بصوت صاحبها، وحين تُسمع التفاصيل التي لا تظهر بين السطور. وقد يحمل الموظف نفسه فكرة الحل أو ملامحه الأولى، لكنه يحتاج مساحةً آمنة لطرحها دون خوف أو استعجال، ومسؤولًا يمنح حديثه الوقت الكافي قبل أن يقدّم الإجابة، فيشعر بأن صوته ليس مجرد ملاحظة عابرة، بل جزءٌ من صناعة الحل.

وحين يمنح القائد وقتًا للإصغاء، يكتشف أن كثيرًا من التحديات لا تحتاج موارد إضافية بقدر ما تحتاج وضوحًا في الفهم وإعادة النظر في التفاصيل الصغيرة. ربما يكون الحل كلمة تقدير تعيد التوازن النفسي، أو تعديلًا بسيطًا في المسمّى الوظيفي يعبّر عن الجهد الحقيقي، أو لفتةً معنوية تُشعر الإنسان بأن ما يقدّمه مرئي ومقدّر داخل منظومة العمل. فليست كل المشكلات مالية بطبيعتها؛ بعضها ينتظر فقط اعترافًا صادقًا بما يشعر به أصحابها، ولمسة إنسانية تعيد ترتيب الأولويات بهدوء.

وفي إحدى اللقاءات القصيرة- التي لا تستغرق سوى دقائق- قد يجلس الموظف مترددًا في البداية، يبحث عن الكلمات المناسبة، ثم يبدأ بسرد تفاصيلٍ صغيرة يظنها عابرة، لكنها تكشف زاوية لم تكن واضحة من قبل. هنا لا يظهر الحل كقرارٍ مفاجئ، بل كفكرةٍ بسيطة كانت تنتظر فقط مساحةً آمنة لتُقال. وعندها يدرك القائد أن الاستماع لا يضيف عبئًا على وقته، بل يختصر عليه طريق البحث وحده، ويمنحه رؤيةً أقرب إلى الواقع مما قد تمنحه التقارير المكتوبة.

وربما لا يبدأ التحوّل المؤسسي بقرارٍ كبير؛ بل بلحظة إصغاء صادقة تغيّر طريقة النظر إلى المشكلة قبل أن تغيّر طريقة التعامل معها. فحين يُمنح الصوت مساحةً آمنة، تتبدّل زاوية الرؤية بهدوء، وتصبح التفاصيل الصغيرة مفاتيح لفهمٍ أعمق. ومع الوقت، يتحوّل الإصغاء من سلوكٍ فردي إلى ثقافةٍ يشعر بها الفريق في كل تفاعل يومي. لا يعود الحديث مجرّد شكوى، بل مشاركة في صناعة الحل، وتغدو المؤسسة مساحة حوارٍ حيّ لا تنتظر الأزمات كي تتحدث، بل تتعلّم أن تستبقها عبر الإصغاء المستمر.

وفي النهاية، قد لا تحتاج القيادة دائمًا إلى مزيدٍ من الكلمات بقدر ما تحتاج إلى لحظاتٍ صادقة من الإصغاء. فالمشكلات التي تبدو معقّدة من بعيد قد تصبح أبسط حين تُروى بصوت أصحابها، والحلول التي تبدو مؤجلة قد تظهر حين يشعر الإنسان بأن حديثه مسموع ويجد من يمنحه انتباهًا حقيقيًا. لأن القائد الذي يمنح الناس فرصة للحديث لا يضيف بندًا جديدًا إلى جدول أعماله، بل يخلق مساحةً يشعر فيها الجميع بأنهم جزء من الحل لا مجرد متلقين له.

وربما لا تحتاج المؤسسة في كثيرٍ من الأحيان إلى أكثر من ذلك… أُذُنٌ فقط، تعرف متى تسمع قبل أن تتكلم، ومتى تفهم قبل أن تُصدر القرار، فتتحوّل لحظة الإصغاء الهادئة إلى بداية تغييرٍ أعمق مما قد تصنعه قراراتٌ كثيرة.

الأكثر قراءة

z