خالد بن حمد الرواحي
في شهر رمضان، نتعلّم أنَّ الصوم ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل تجربة واعية في ضبط الذات وتأجيل الرغبة، ومنح العقل مساحةً أوسع قبل أن يتقدّم الفعل. وهذه الفكرة- على بساطتها الروحية- تحمل درسًا إداريًا بالغ الأهمية؛ فكما يصوم الجسد عن المباحات ليصفو المعنى، قد يحتاج القائد أحيانًا أن يصوم عن القرار… لا تردّدًا ولا انسحابًا، بل وعيًا ونضجًا.
في لحظة تولّي منصبٍ قياديٍّ جديد، تشتدّ الرغبة في إثبات الحضور سريعًا. وقد يندفع البعض إلى إصدار قراراتٍ مصيرية، أو إعادة تشكيل الفرق، أو تغيير مساراتٍ لم يكتمل فهمها بعد. تبدو السرعة هنا وكأنها دليل حسم، لكنها في كثير من الأحيان تُخفي فراغًا معرفيًا لم يُمنح الوقت الكافي ليكتمل. فكم من قرارٍ اتُّخذ في البدايات، لا لأن الحاجة إليه كانت ملحّة، بل لأن القائد أراد أن يطمئن نفسه بأنه بدأ الطريق.
المنصب الجديد لا يقدّم للقائد تاريخ المؤسسة دفعةً واحدة، ولا يكشف له خيوطها غير المرئية التي تشكّلت عبر سنواتٍ من التجربة والخبرة. ومن هنا، يصبح «صوم القيادة» موقفًا ناضجًا؛ يختار فيه القائد التريّث حين لا يملك الصورة الكاملة، ويؤجّل القرارات الكبرى حتى تتضح أمامه تفاصيل العمل كما هي، لا كما تُعرض في التقارير المختصرة أو الاجتماعات السريعة. فالفهم الحقيقي لا يُبنى في الأيام الأولى، بل يتشكّل عبر الإصغاء العميق والملاحظة ومقارنة الروايات المختلفة قبل صياغة أي توجّهٍ جديد.
ومتى يصوم القائد؟ يصوم حين يتولى بيئةً لم يعش تفاصيلها من قبل، وحين يكتشف أن معرفته النظرية لا تكفي لفهم التعقيدات اليومية للعمل. ويصوم أيضًا حين يدرك أن الخبرة المؤسسية ليست مجرد بيانات، بل ذاكرة جماعية يحملها الموظفون الذين سبقوه، وأن تجاهل هذه الذاكرة قد يقطع خيوطًا دقيقة تحفظ توازن العمل. الصوم هنا ليس انسحابًا من المسؤولية، بل أسلوبًا واعيًا لإدارتها؛ تأجيلٌ مقصودٌ للقرار حتى يكتمل فهمه وينضج.
في هذه المرحلة، يتحوّل دور القائد من صانعٍ للأوامر إلى باحثٍ عن الفهم. يجلس مع أصحاب الخبرة، يستمع أكثر مما يتحدث، ويسأل عن الأسباب قبل النتائج، ويحاول أن يرى المؤسسة من داخلها لا من موقعه الجديد فقط. فالخبرات المتراكمة داخل أي جهة ليست عائقًا أمام التغيير، بل جسرًا يقرّب الطريق إليه. والقائد الذي يصوم عن القرار يمنح نفسه فرصةً ليكتشف ما لا يُكتب في الخطط الرسمية: كيف تُدار التفاصيل الصغيرة، وأين تكمن نقاط القوة الخفية، وما الذي يجب الحفاظ عليه قبل التفكير في تغييره.
غير أن هذا الصوم لا يعني الجمود أو الغياب؛ فالقائد يظل حاضرًا بوعيه وتوجيهه العام، لكنه يميّز بين القرارات التشغيلية الضرورية التي تحفظ استمرارية العمل، وبين القرارات المصيرية التي تعيد تشكيل الاتجاه. والفارق بينهما ليس في حجم القرار فقط، بل في أثره طويل المدى، وفي حاجته إلى فهمٍ أعمق قبل أن يُتخذ.
واللافت أن المؤسسات التي تُمنح فيها القيادة الجديدة مساحةً للصوم الإداري، غالبًا ما تبني قراراتٍ أكثر استدامة. فالتغيير الذي يبدأ بالفهم يكون أقل صدامًا، وأكثر قدرة على كسب الثقة، وأقرب إلى الواقع الذي يعيشه الناس يوميًا. أما القرارات التي تُتخذ على عجل، فقد تمنح شعورًا مؤقتًا بالحركة، لكنها تترك وراءها أسئلةً معلّقة لا تظهر إلا بعد أن تتسع فجوة التنفيذ.
رمضان يذكّرنا أن القوة الحقيقية ليست في الامتناع المؤقت، بل في الوعي الذي يتشكّل خلاله. وكذلك القيادة؛ فالقائد الذي يعرف متى يصمت عن القرار، ومتى يفسح المجال للفهم، يبني لنفسه شرعيةً هادئة لا تحتاج إلى ضجيج. وهكذا يرسل رسالةً ضمنية للمؤسسة مفادها أن الإصغاء قيمة، وأن الخبرة محلّ تقدير، وأن التغيير القادم لن يكون قطيعةً مع الماضي، بل امتدادًا واعيًا له.
وفي النهاية، قد لا يكون التحدي الأكبر أمام القائد الجديد هو اتخاذ القرار، بل معرفة اللحظة التي ينبغي أن يؤجّله فيها. فالقيادة ليست سباقًا لإثبات الحضور، بل رحلةٌ لفهم المكان قبل إعادة تشكيله. وحين يصوم القائد عن القرارات المصيرية في بداياته، لا يؤخر الإنجاز؛ بل يمنحه فرصةً ليولد أكثر نضجًا وثباتًا.
