بين القانون والإرادة.. كيف نصنع التاجر العُماني؟

 

 

 

إسماعيل بن شهاب البلوشي

 

تتجدد الجدليات كل فترة حول موضوع الباحثين عن عمل، وحول القوانين المُنظمة لسوق العمل، وحول إلزام بعض المؤسسات- صغيرة كانت أم كبيرة- بتشغيل العُمانيين. ومن حيث المبدأ، فإنَّ تشغيل المواطن ليس خيارًا تجميليًا؛ بل واجب وطني وأخلاقي واقتصادي. غير أنَّ الإشكالية لا تكمن في صياغة القوانين، وإنما في كيفية تطبيقها، وفي الفارق بين النصوص المُتساوية بالكلمات والواقع المختلف في التنفيذ.

شهدنا في مراحل سابقة قرارات واضحة تُلزم بأن تكون الأنشطة التجارية في الأحياء السكنية والقرى والمُدن الصغيرة- تلك المحيطة بالحارات والبيوت- بيد عُمانيين، وكان الهدف آنذاك واضحًا: تمكين المواطن من مفاصل الاقتصاد القريب من حياته اليومية، ومنحه فرصة حقيقية ليكون تاجرًا وصاحب مشروع. غير أنَّ هذا التوجه تراجع تدريجيًا، حتى أصبح الوافد حاضرًا بقوة في هذه المساحات.

وهنا ينبغي التأكيد بوضوح: لسنا ضد الوافد، ولم نكن يومًا كذلك؛ فالوافد ساهم في بناء هذا الوطن، وعمِلَ بإخلاص في قطاعات مُتعددة، ونحن نقدّر ذلك ونحترمه. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح وبشجاعة هو: متى نبدأ إنتاج التاجر العُماني؟ متى نصنع جيلًا من أصحاب المشاريع والخبرات، لا مجرد موظفين ينتظرون فرصة وأن يكونوا قدوة وحماسا وسباقا وكسر حاجز "اللاتاجر"؟

إن صناعة التاجر لا تتحقق بالخطب ولا بالشعارات؛ بل بقانون صامد وإرادة تنفيذية واضحة. نعم، سيفشل كثيرون، وهذا أمر طبيعي في أي تجربة اقتصادية. قد يفشل 100 ليبقى 10 ناجحين، لكن هؤلاء العشرة سيكونون نواة طبقة تجارية وطنية متجذرة، تنمو مع الزمن وتراكم الخبرة. أما الخوف من الفشل فهو أكبر مُعوِّق لأي نهضة اقتصادية.

ومن هنا، فإنَّ إعادة ضبط بعض الأنشطة التجارية لتكون بيد عُمانيين- خاصة في المستويات الصغيرة والمتوسطة القريبة من الأحياء السكنية- ليس إجراءً إقصائيًا؛ بل هو إجراء تنموي. كما أن التحايل على القوانين، بفتح سجل باسم عُماني وإدارة النشاط فعليًا بواسطة وافد، يُفرغ الفكرة من محتواها. إذا أردنا أن ننتج تاجرًا عُمانيًا حقيقيًا، فيجب أن يكون هو صاحب القرار والإدارة والعمل الفعلي، لا مجرد اسم في الأوراق.

كذلك فإنَّ وضوح العقوبة وصرامة تنفيذها جزء لا يتجزأ من نجاح أي سياسة؛ فالقانون الذي يُعلن دون متابعة، أو يُطبّق بانتقائية، يفقد هيبته. وإذا كانت الدولة قادرة على فرض رسوم وغرامات بدقة عالية، فهي قادرة كذلك على فرض القوانين المنظمة للسوق. إغلاق النشاط المخالف، وإعلان المخالفة بشفافية، يرسّخ رسالة واضحة بأنَّ الهدف ليس التضييق، بل حماية التوازن الاقتصادي والاجتماعي.

ولا عذر- أيًّا كان- لوجود وافد حتى بعذر مساعد أو منظف أو مُحاسب، نعم يُمنع منعًا باتًا وبكل صرامة وقوة وإرادة، وسترون أنَّ العُماني إذا تساوى في الحقوق والواجبات، سيثبت ذلك شريطة التنفيذ العقابي على الجميع، وإذا وُجِدَ مخالفٌ فإنَّ العقاب يكون على مدير عام العمل الذي لا يعي وليست لديه مقدرة على أن يكون في ذلك الكرسي.

إنَّ بناء الدول لا يقوم على كثرة اللوائح وحدها؛ بل على رصانة التنفيذ. والرصانة هنا تعني عدالة في التطبيق، ووضوحًا في المعايير، وثباتًا في القرار. وعندما يشعر المواطن أن القانون صامد ولا يتغير بتغير الضغوط، سيُغامر ويستثمر ويتعلم من أخطائه. وعندما يعلم أنَّ التحايل لن يمرّ، ستتجه الجهود نحو الالتزام والإبداع بدلًا من البحث عن ثغرات.

نحن بحاجة إلى رؤية متكاملة تُشجِّع العُماني على الدخول في التجارة، عبر التدريب والدعم والتمويل والإرشاد، بالتوازي مع تنظيم واضح وحازم للسوق. لا نريد اقتصادًا مغلقًا، ولا نريد إقصاء أحد، لكننا نريد توازنًا يُنتج تجارًا وخبراء عُمانيين قادرين على المنافسة، وقادرين على حمل جزء من مسؤولية التنمية.

إنَّ تمكين المواطن اقتصاديًا ليس شعارًا؛ بل هو استثمار طويل المدى في استقرار المجتمع وأمنه الاجتماعي. فكل مشروع ناجح بيد عُماني هو فرصة عمل، وخبرة متراكمة، وثقة تُبنى بين الدولة والمجتمع. وإذا أردنا مستقبلًا أكثر تماسكًا، فعلينا أن نبدأ اليوم بقوانين واضحة، وتنفيذ صارم، ورؤية تؤمن بأنَّ الفشل مرحلة، لا نهاية.

هكذا فقط نصنع التاجر العُماني، وهكذا فقط يتحول النقاش من جدلٍ متكرر إلى إنجازٍ ملموس.

وليترك أصحاب القرار مكاتبهم ويشاركوا الباحثين عن عمل تجربة الشمس والحرارة، وليُنتقى المديرون بهكذا قوة واردة، وشكر الباقين لنتوقف عن التوقيع تحت المكيف ولننطلق بقوة الإرادة ونوعية الرجال العمليين وليس المنظرون في أروقة ودهاليز القاعات.

الأكثر قراءة

z