هل زوّدت روسيا والصين إيران بصواريخ فرط صوتية؟

 

 

 

إسماعيل بن شهاب البلوشي

من يقرأ المشهد بدقّة، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، يلحظ أمرًا في غاية الأهمية: الولايات المتحدة الأمريكية غير قادرة فعليًا على شن حرب شاملة ضد إيران. ليس لأنَّ واشنطن لا تملك القوة، بل لأنها تدرك أن كلفة المواجهة قد تكون أخطر بكثير مما يتوقعه الرأي العام.

المطالب الأمريكية المعلنة تدور حول "صفر نووي"، وصفر تخصيب، وعدم امتلاك سلاح نووي. لكن إيران، منذ البداية، لم تدخل في نقاش "صفر تخصيب"، بل أصرت على حقها في التخصيب بنسبة معينة، وجرى كل النقاش الدولي حول النسبة لا حول المنع المطلق. هذه نقطة مفصلية.

أما الصواريخ الباليستية، فلم تُدرج أصلًا في صلب المفاوضات الحالية. لم يُفتح ملفها بجدية، ولم يُطرح شرط “صفر صواريخ”. وكذلك مسألة التدخل الإقليمي ومساندة الحلفاء، فهي ليست بندًا تفاوضيًا فعليًا الآن. هذا الإطار التفاوضي بحد ذاته يكشف أن هناك حدودًا تدركها واشنطن، وخطوطًا لا تريد تجاوزها.

هنا يبرز السؤال الأخطر: لماذا هذا الحذر الأمريكي؟

إذا كانت إيران لا تزال- كما يُقال- لا تمتلك سلاحًا نوويًا، وإذا كانت صواريخها “ليست كلها فرط صوتية” كما يشاع، فلماذا لا تذهب الولايات المتحدة إلى الحسم العسكري؟ لماذا لا تُغلق الملف بضربة واسعة؟

الإجابة تكمن في ميزان الردع الحقيقي، لا في الخطاب السياسي؛ إذ تمتلك روسيا منظومات مثل كينجال (الخنجر- Kh-47M2 Kinzhal)، والصين طوّرت أنظمة مرتبطة بـDF-17، والولايات المتحدة نفسها في سباق لتطوير أسلحة مشابهة. هذه المنظومات ليست في مرحلة الدعاية، بل في مراحل تشغيل واختبار متقدمة.

فهل من المستبعد أن تكون هناك معرفة استخباراتية أمريكية بأن إيران اطلعت على تقنيات معينة؟ أو أنها حصلت على نماذج، أو دعماً تقنياً، أو تعاوناً غير مُعلن؟ السؤال مشروع حتى إن لم توجد أدلة مُعلنة.

ما هو ثابت أن إيران أعلنت عن "فتّاح" بوصفه صاروخًا ذا قدرات فرط صوتية. وقد يشكك البعض في توصيفه، وقد يراه آخرون تطويرًا لباليستي مناورة، لكن الأهم ليس الاسم، بل النتيجة: الولايات المتحدة تتصرف كما لو أن الخطر حقيقي.

لو افترضنا- نظريًا- أن إيران حصلت على منظومات شبيهة بـ“كينجال”، فإن المعادلة البحرية في الخليج والبحار المحيطة ستتغير جذريًا. حاملات الطائرات، المدمرات، القواعد الأمامية، كلها تصبح ضمن دائرة تهديد يصعب اعتراضه. وحتى من دون صواريخ فرط صوتية كاملة المواصفات، فإن مزيج الصواريخ الباليستية الدقيقة، والطائرات المسيّرة، والهجمات المتزامنة، قادر على إغراق سفن أو تعطيل قواعد.

الدفاعات الجوية الأمريكية، مثل THAAD أو Aegis Ballistic Missile Defense، فعّالة ضد كثير من التهديدات، لكنها ليست ضمانًا مطلقًا ضد صواريخ مناورة بسرعات عالية. الاعتراض عالميًا ما زال بنسبة محدودة في مواجهة الأهداف الفرط صوتية المناورة، وهذه حقيقة عسكرية يعرفها المتخصصون.

من هنا نفهم أن الردع ليس مجرد شعار. قد تكون إيران ضمنت- عبر تطويرها الصاروخي أو عبر تعاون استخباراتي وتقني مع قوى كبرى- أن أي مغامرة عسكرية أمريكية ستتحول إلى مقامرة خطيرة. هذا الإدراك الاستخباراتي هو الذي يصنع التوازن، لا البيانات السياسية.

ليست القضية أن كل ما يُقال عن الصواريخ الفرط صوتية صحيح. بل إن كثيرًا من الصواريخ الموصوفة بهذا الاسم هي باليستية تقليدية بسرعات عالية. لكن حتى هذا "غير الفرط صوتي الكامل" يكفي لخلق خطر حقيقي إذا استُخدم بكثافة وبدقة.

الخلاصة التي يخرج بها من يقرأ المشهد بعين استراتيجية، أن الولايات المتحدة لا تتراجع لأنها ضعيفة؛ بل لأنها تدرك أن كلفة الحرب قد تتجاوز السيطرة. وإيران لا تصر على مواقفها إلا لأنها تشعر بأن لديها ما يكفي من أدوات الردع.

والسؤال الأهم: هل زوّدت روسيا أو الصين إيران بصواريخ فرط صوتية؟ الإجابة أنه لا توجد أدلة علنية قاطعة، لكن المؤكد أن ميزان الردع تغيّر، وأن واشنطن تتصرف وفق حسابات تعرفها جيدًا-وربما تعرف أكثر مما يُقال.

وهنا يكمن جوهر الحديث؛ حيث إن الردع الاستخباراتي أحيانًا أقوى من الإعلان العسكري، وأشد تأثيرًا من السلاح نفسه.

الأكثر قراءة

z