ملفات إبستين لم تبقِ ولم تذر

 

 

هند الحمدانية

لم تكن ملفات المُجرم جيفري إبستين مُجرد وثائق أزيح عنها الغطاء، ولا فضيحة تضاف إلى سجل طويل من انحرافات النُخب؛ بل كانت لحظة انكشاف واسعة أعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة السُلطة في عالمنا المُعاصر، وحدود الأخلاق حين تتشابك مع النفوذ والمال والسياسة.

فحين تتكاثر الصفحات، وتُفك الأختام عن مراسلات وصور، وتتداخل شبكات العلاقات بين السياسة والاقتصاد ومراكز التأثير، لا يعود الحدث في تفاصيل الوقائع، بقدر ما يكون في الدلالة التي تحملها: كيف تنشأ منظومات نفوذ بهذا الاتساع داخل مُجتمعات تتصدر خطاب القانون وحقوق الإنسان؟ وكيف تستمر لسنوات طويلة دون مُساءلة حقيقية، وكأنَّها جزء من توازن غير مُعلن داخل بنية الحكومات؟

ليست القضية بأسماء بعينها، ولا في بشاعة الوقائع المرصودة بالصوت والصورة، بل في البنية التي تسمح بتجاوز الخطاب الإنساني المُعلن مع ممارسات تناقضه في الخفاء، فاليوم يتحول النفوذ إلى حصانة، والمال إلى أداة لتعطيل المساءلة، وتصبح الفضيحة مؤشراً على خلل بنيوي في ميزان القيم العالمي.

لقد كشفت هذه الملفات عن تصور ضمني لطبيعة القوة في النظام الدولي، تصور يرى أنَّ السلطة قادرة على تجاوز الحدود، وأن النفوذ يمنح صاحبه قدرة على إعادة تعريف المقبول والمرفوض، وأن الضعفاء- أفراداً كانوا أو شعوبًا- يصبحون أكثر عرضة للاستباحة حين يغيب ميزان العدالة المتكافئ. ولم تكن هذه الحقيقة جديدة تمامًا؛ فالعالم الحديث شهد وقائع جسيمة كشفت وأكدت أنَّ انتهاك الكرامة الإنسانية ليس إلّا نتيجة مباشرة لغياب الضوابط الأخلاقية الصارمة حين تقترن القوة بالمصالح.

لقد كان ما جرى في العراق بعد عام 2003 مثالًا مُؤلمًا على ذلك، فقد كشفت صور وتقارير موثقة عن انتهاكات خطيرة داخل سجن أبو غريب؛ حيث تعرَّض معتقلون لممارسات مهينة وتعذيب وانتهاكات جسدية ونفسية أثارت حينها جدلًا عالميًا واسعًا، لكنها سرعان ما تحولت إلى رماد نار في ذاكرة السياسة الدولية. ولا ننسى المدنيين العراقيين وفي مُقدمتهم الأطفال، الذين عانوا ويلات الحرب والعنف والفوضى الأمنية التي خلَّفت آثارًا إنسانية عميقة امتدت لسنوات طويلة، ودفعت ثمنها مجتمعات كاملة دون أن تحظى مُعاناتها بذات الاهتمام الذي تستأثر به قضايا أخرى في المشهد الدولي.

وفي السياق ذاته، تتجلى المأساة الإنسانية المُعاصرة بوضوح شديد فيما شهدته غزة من دمار واسع النطاق خلال الحروب المتكررة؛ حيث مُحيت أحياء كاملة، ودُمِّرَت البنى التحتية، وسقط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين، بينهم الآلاف من النساء والأطفال، لقد تحولت مدن بكاملها إلى أنقاض، وتعرضت حياة السكان لانهيارات متتالية في الأمن والصحة والتعليم. وزادت فداحة هذه المأساة مع ما وثقته تقارير حقوقية وشهادات إنسانية متواترة عن أوضاع الأسرى الفلسطينيين داخل السجون، وما يُثار من انتهاكات جسيمة تمس حرمة الجسد الإنساني وكرامته، في ظروف احتجاز قاسية ومُمارسات شيطانية بحق الفلسطينيين أثارت جدلاً واسعاً على المستوى الدولي، كالاعتداءات الوحشية وسرقة الأعضاء والجلود وغيرها، في مشهد مؤسف يعكس هشاشة النظام الدولي في حماية المدنيين حين تتداخل السياسة والمصالح بالقوة العسكرية.

لا تكمن خطورة هذه الوقائع في حجم الدمار وحده، فحين تتباين ردود الفعل تجاه المعاناة الإنسانية بحسب الموقع أو العرق أو الانتماء أو المصلحة، يتبدى خللٌ جوهريٌّ في معيار العدالة ذاته، فهل تُقاس العدالة الإنسانية بموازين مُتغيرة، أم أنَّ قيمها ينبغي أن تكون ثابتة لا تقبل الانتقائية؟

في هذا الإطار، تبدو فضيحة إبستين قنبلة كاشفة لحقيقة مُخيفة عن أن الاستغلال حين ينشأ ويترعرع داخل منظومة القوة والسلطة ذاتها يصبح أكثر خطورة وعفونة؛ إذ يتحوَّل من فعل فردي إلى ظاهرة تحميها شبكات النفوذ وتُعيد إنتاجها؛ فهي أزمة مرجعية أخلاقية في عالم يفصل القيم عن جذورها، ويحول المبادئ إلى شعارات قابلة للتكيف مع المصالح، وهكذا لم تعد القضية مجرد فضيحة جنائية، بل مؤشراً على أزمة أعمق تتعلق بازدواجية المعايير، وبطبيعة النظام الذي يحدد من تحمى كرامته، ومن تترك معاناته خارج دائرة الاهتمام الغربي.

وإذا كانت فضيحة جزيرة إبستين قد كشفت هشاشة بعض أصحاب النفوذ في العالم، فإنَّ السؤال الأخلاقي الأعمق يتجاوز السلوك الشخصي (المُنحرف) إلى ما قد يترتب عليه من مواقف وقرارات تمس مصائر الشعوب، فلو أنَّ مسؤولًا عربيًا أصبح أسيرًا لانكشافات ضعفه أو خاضعًا لضغوط شبكات النفوذ، فأين يكمن العار الحقيقي: في فضيحته الخاصة أم في القرارات العامة التي تفتك بالأبرياء وتفاقم مُعاناة الشعوب؟ وأيُّ خطيئةٍ أشد: سقوط الفرد في لحظة ضعف، أم اتخاذ مواقف تسهم في شرعنة الظلم أو تبرير العدوان أو الدفع نحو مسارات تطبيع تتجاهل حقوق الفلسطينيين ومعاناة أبناء غزة وما يتعرضون له من قتل ودمار.

إنَّ التاريخ لا يُحاكم أصحاب السلطة على معاصيهم وانحرافاتهم الشخصية بقدر ما يحاكمهم على خياناتهم وتواطؤهم ضد شعوبهم وأبناء جلدتهم، وعلى ما يخلفونه من عدل أو ظلم حين توضع بين أيديهم مسؤولية المصير.

ملفات إبستين لم تبقِ ولم تذر من حيث كشفها لتشابكات النفوذ، لكنها ليست جديدة على هذا العالم المُتزعزِع؛ فهي قائمة منذ عقود وتتشكل عبر وقائع مُتعددة وبأشكال متكررة من استباحة الضعفاء وشرب دماء الأبرياء. ولكن يبقى السؤال المفتوح: هل تكون لحظة الانكشاف هذه بداية مُراجعة حقيقية لمسار النظام العالمي، أم أنها ستنضم إلى سجل طويل من الفضائح التي تُطوى صفحاتها سريعًا.. وكأنَّ شيئًا لم يكن؟!

الأكثر قراءة

z