صرخة لفك أسر المُعسِرين في رمضان

 

 

 

 

د. محمد بن عوض المشيخي **

 

أهلَّ علينا شهر الخير والعطاء بما يحمله من النفحات الإيمانية التي تسكن في قلوب الصائمين الذين تقربهم أعمالهم الصالحة إلى الله؛ إذ تتسابق الجموع إلى المساجد الأداء صلوات الفروض والتراويح في أجواء روحانية يسودها الاخاء والمحبة بين الجميع والذكريات الجميلة التي اعتاد عليها الصائمون عبر الأزمان. كما إن رمضان ليس فقط للعبادات الربانية التي تعتبر أساس هذا الشهر؛ بل ارتبط بالمكرمات والعطاء بلا حدود للفقراء.

هكذا تنتظر أمة محمد كل عام حلول الشهر الفضيل، بفارغ الصبر بقلوب مؤمنة، وأفئدة مستبشرة، ونفوس طامحة إلى رضا الله؛ ونردد جميعًا ونرفع الأيادي للخالق عز وجل، مستحضرين في ذاكرتنا الدعاء المعروف "اللهم بلغنا رمضان". وبالفعل قد أطلت علينا من جديد هذه الأيام المباركة المعطرة بالمغفرة والتقوى؛ لنُجدِّد العهد والتوبة والأعمال الصالحة لله تعالى؛ فهذا الشهر يعد أفضل الشهور عند الله، بل وللبلاد والعباد كافة؛ إذ تتضاعف فيه الحسنات، وتزيد فيه الخيرات، وتتواصل فيه النفوس، وتلتئم فيه جراح الزمن، ويجتمع فيه شمل الأرحام والأقارب على مائدة الإفطار. ولم لا، فرمضان أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النَّار، وذلك لمن صامه إيمانًا واحتسابًا وأدّى العبادات المطلوبة وأحسن للمحتاجين؛ فالحكمة من الصوم هي الإحساس بالمساكين الذين يعانون طوال العام من الجوع وقلة الطعام، فيأتي رمضان للتذكير بهؤلاء الناس الذين يحتاجون للصدقات والمساعدة من المقتدرين من أبناء الأمة لإخوانهم من المعسرين وعلى وجه الخصوص نزلاء السجون الذين ينتظرون الفرج للخروج إلى أسرهم واطفالهم خارج القضبان.

وفي هذا الموسم من كل عام تطلق جمعية المحامين العُمانية مبادرتها السنوية التي تنطلق هذا العام في نسختها الثالثة عشرة، وهي مبادرة "فك كُربة" والتي اكتسبت زخمًا كبيرًا وسمعة وبصمة مؤثرة تخترق القلوب والعقول لدورها الإنساني الكبير؛ كون أن هذه المبادرة تمثل نموذجًا وطنيًا رائدًا في العمل الاجتماعي، وتجسد روح التضامن والتكافل اللذين يتميز بهما المجتمع العُماني الذي فطر على التضحية والإثار ومساعدة الغير والتكافل بين المواطنين في هذا الوطن العزيز.

هذه المبادرة الرائعة تسعى إلى جمع التبرعات المالية بهدف فك أَسر المُعسرين من نزلاء السجون بسبب مطالبات مالية مترتبة عليهم في قضايا مدنية وتجارية وشرعية وعمالية، كون ذلك عملًا خيريًا جديرًا بالتقدير والإشادة لأن من خلاله يتم إطلاق سراح القابعين في السجون، خاصة الذين لهم أطفال؛ فهذه المبادرة تمنحهم فرصة جديدة لكي يندمجوا مع المجتمع ويبدأوا فصلًا جديدًا في هذه الحياة قوامها العبر والاستفادة من الدروس والأخطاء التي قادتهم إلى غياهب السجون.

وعلى الرغم من نجاح جمعية الصحفيين العُمانية من إطلاق سراح 8198 معسرًا منذ انطلاق المبادرة في 2012 تحت شعار "لأننا نؤمن أن الإنسان يستحق فرصة ثانية"؛ إلّا أن مضاعفة الجهود القائمين على هذا العمل الخيري أصبح من الضروريات، بحيث يرفع سقف المبالغ المحدد بألفين ريال عُماني ومضاعفتها لتكون 10 آلاف ريال عُماني، وذلك من خلال التوجه إلى البنوك وشركات الاتصالات والكهرباء للمساهمة في مضاعفة أعداد المعسرين الذين يتم استهدافهم للخروج من السجون. كما يمكن دعوة كبار التجار والوزراء والقضاة والقادة العسكريين من خلال حملة إعلامية وطنية تشارك فيها وسائل الإعلام العُمانية الرسمية منها والخاصة، والأهم من ذلك كله أن يستمر العمل طوال العام مع التركيز على شهر رمضان لرغبة معظم الناس بإخراج الصدقات في تلك الأيام المباركة من كل عام.

لذا تكمن أهمية الصوم وفوائده في قيم الصبر ومجاهدة النفس، وتلاوة القرآن وحفظه والتدبر في آياته؛ وكذلك شفاء للعديد من الأمراض المزمنة؛ إذ أجمع الأطباء في الشرق والغرب على عظمة الصوم وإيجابيته على الصحة العامة للصائمين.

وفي الختام.. من المؤسف حقًا أن نرى بعض النَّاس من يشعر بالهم والكسل بسبب الصوم؛ حيث يشعر هؤلاء بأنَّ انقطاعهم عن الأكل والشرب ووجبات الإفطار المعتادة بمثابة كارثة لهم! فبالكاد يردون عليك السلام، كما يقل إنتاج هؤلاء في العمل، ويفضلون النوم ساعات النهار ويسهرون الليل ويكثرون من الطعام حتى ساعات الفجر؛ ولا يدرك هؤلاء أنَّ رمضان هو شهر الانتصارات والإنجازات الكبرى التي تحققت للأمة عبر التاريخ بداية من غزوة بدر مرورًا بمعركة عين جالوت ووصولًا لانتصار العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر 1973.

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

الأكثر قراءة

z